الجصاص

630

أحكام القرآن

ومن سورة المدثر بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ( ولا تمنن تستكثر ) ، قال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وقتادة والضحاك : " لا تعط عطية لتعطى أكثر منها " . وقال الحسن والربيع بن أنس : " لا تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله " . وقال آخرون لا : " لا تمنن بما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا به الأجر من الناس " . وعن مجاهد أيضا : " لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك " . قال أبو بكر : هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جميعها مرادا به ، فالوجه حمله على العموم في سائر وجوه الاحتمال . وقوله تعالى : ( وثيابك فطهر ) يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلاة ، وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس ، لأن تطهيرها لا يجب إلا للصلاة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى عمارا يغسل ثوبه ، فقال : " مم تغسل ثوبك ؟ فقال : من نخامة ، فقال : " إنما يغسل الثوب من الدم والبول والمني " . وقالت عائشة : " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل المني من الثوب إذا كان رطبا " . وزعم بعضهم أن المراد بذلك ما روي عن أبي رزين قال : " عملك أصلحه " . وقال إبراهيم : ( وثيابك فطهر ) من الإثم . وقال عكرمة : أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة ، وهذا كله مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا بدلالة ، واحتج هذا الرجل بأنه لا يجوز يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من البول وما أشبهه . قال أبو بكر : وهذا كلام شديد الاختلال والفساد والتناقض ، لأن في الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الأوثان بقوله تعالى : ( والرجز فاهجر ) ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان هاجرا للأوثان قبل النبوة وبعدها وكان مجتنبا للآثام والعذرات في الحالين ، فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك تاركا لها فتطهير الثياب لأجل الصلاة مثله ، وقال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا تدع مع الله إلها آخر ) [ القصص : 88 ] والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع مع الله إلها قط ، فهذا يدل على تناقض قول هذا الرجل وفساده . وزعم أنه من أول ما نزل الله من القرآن قبل كل شئ من الشرائع من وضوء