الجصاص
622
أحكام القرآن
عليه والتحريم أيضا يمين ، وهذا عند أصحابنا يختلف في وجه ويتفق في وجه آخر ، فالوجه الذي يوافق اليمين فيه التحريم أن الحنث فيهما يوجب كفارة اليمين ، والوجه الذي يختلفان فيه أنه لو حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه لم يحنث ، ولو قال : " قد حرمت هذا الرغيف على نفسي " فأكل منه اليسير حنث ولزمته الكفارة ، لأنهم شبهوا تحريمه الرغيف على نفسه بمنزلة قوله والله لا أكلت من هذا الرغيف شيئا ، تشبيها له بسائر ما حرمه الله من الميتة والدم أنه اقتضى تحريم القليل منه والكثير . واختلف السلف في الرجل يحرم امرأته ، فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر : " أن الحرام يمين " ، وهو قول الحسن وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء وطاوس . وروي عن ابن عباس رواية مثله ، وروي عنه غير ذلك . وعن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رواية وابن عمر رواية وأبي هريرة وجماعة من التابعين قالوا : " هي ثلاث " . وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقول في الحرام بمنزلة الظهار . وروى منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " النذر والحرام إذا لم يسم مغلظة ، فتكون عليه رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " . وروى ابن جبير عن ابن عباس أيضا : " إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها ، أما لكم في رسول الله أسوة حسنة ! " وهذا محمول على أنه إذا لم تكن له نية فهو بمنزلة يمين ، وأنه إن أراد الظهار كان ظهارا . وقال مسروق : " ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد " . وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن : " ما أبالي حرمت امرأتي أو ماء فراتا " . قال أبو بكر : وليس فيه دلالة على أنهم لم يروه يمينا ، لأنه لا جائز أن يكون قولهما في تحريم الثريد والماء أنه يمين ، فكأنهما لم يريا ذلك طلاقا ، وكذلك نقول إنه ليس بطلاق إلا أن ينويه ، فلم تظهر مخالفة هذين لمن ذكرنا قولهم من الصحابة واتفاقهم على أن هذا القول ليس بلغو وإنه إما أن يكون يمينا أو طلاقا أو ظهارا . واختلف فقهاء الأمصار في الحرام ، فقال أصحابنا : " إن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن لا ينوي ثلاثا ، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين وهو مول " . وذكر ابن سماعة عن محمد : " أنه إن نوى ظهارا لم يكن ظهارا ، لأن الظهار أصله بحرف التشبيه " وروى ابن شجاع عن أبي يوسف في اختلاف زفر وأبي يوسف : " أنه إن نوى ظهارا كان ظهارا " . وقال ابن أبي ليلى : " هي ثلاث ولا أسأله عن نيته " . وقال مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم : " الحرام لا يكون يمينا في شئ إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق ، وهو ثلاث ، إلا أن ينوي واحدة أو ثنتين فيكون على ما نوى " . وقال الثوري : " إن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة ، وإن نوى يمينا فهي يمين يكفرها ، وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فليس