الجصاص

619

أحكام القرآن

وقوله تعالى : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) قد انتظم الدلالة على أحكام : منها أنها إذا رضيت بأن ترضعه بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها ، لأمر الله إياه بإعطاء الأجر إذا أرضعت . ويدل على أن الأم أولى بحضانة الولد من كل أحد . ويدل على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد ، لأنه أوجبها بعد الرضاع بقوله : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) . وقد دل على أن لبن المرأة وإن كان عينا فقد أجري مجرى المنافع التي تستحق بعقود الإجارات ، ولذلك لم يجز أصحابنا بيع لبن المرأة كما لا يجوز عقد البيع على المنافع ، وفارق لبن المرأة بذلك لبن سائر الحيوان ألا ترى أنه لا يجوز استيجار شاة لرضاع صبي لأن الأعيان لا تستحق بعقود الإجارات كاستيجار النخل والشجر ؟ . وقوله تعالى : ( وأتمروا بينكم بمعروف ) يعني والله أعلم : لا تشتط المرأة على الزوج فيما تطلبه من الأجرة ولا يقصر الزوج لها عن المقدار المستحق . وقوله تعالى : ( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) ، قيل : إنه إذا طلبت المرأة أكثر من أجر مثلها ورضيت غيرها بأن تأخذه بأجر مثلها فللزوج أن يسترضع الأجنبية ويكون ذلك في بيت الأم لأنها أحق بإمساكه والسكون عنده . وقوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ) يدل على أن النفقة تفرض عليه على قدر إمكانه وسعته ، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر . وقوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ) ، قيل معناه : من ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، يعني والله أعلم أنه لا يكلف نفقة الموسر في هذه الحال بل على قدر إمكانه ينفق . وقوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) ، فيه بيان أن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق ، وهذا وإن كان قد علم بالعقل إذ كان تكليف مالا يطاق قبحا وسفها ، فإن الله ذكره في الكتاب تأكيدا لحكمه في العقل ، وقد تضمن معنى آخر من جهة الحكم وهو الإخبار بأنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الانفاق في هذه الحال ، وإذا لم يكلف الانفاق في هذه الحال لم يجز التفريق بينه وبين امرأته لعجزه عن نفقتها ، وفي ذلك دليل على بطلان قول من فرق بين العاجز عن نفقة امرأته وبينها . فإن قيل : فقد آتاه الطلاق فعليه أن يطلق . قيل له : قد بين به أنه لم يكلفه النفقة في هذه الحال فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجلها ، لأن فيه إيجاب التفريق بشيء لم يجب . وأيضا فإنه أخبر أنه لم يكلفه من الانفاق إلا ما آتاه ، والطلاق ليس من الانفاق ، فلم يدخل في اللفظ . وأيضا