الجصاص

601

أحكام القرآن

الجمعة ما لم تحضر الجمعة " . وروى إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن النخعي قال : " إذا أراد الرجل السفر يوم الخميس فليسافر غدوة إلى أن يرتفع النهار فإن أقام إلى العشي فلا يخرج حتى يصلي الجمعة " . وروي عن عطاء عن عائشة قالت : " إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تجمع " فهذا مذهب عائشة وإبراهيم ، قال الله تعالى : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ) [ الملك : 15 ] فأباح السفر في سائر الأوقات ولم يخصصه بوقت دون وقت . فإن قيل : هذا واضح في ليلة الجمعة ، ويوم الجمعة قبل الزوال وإباحة السفر فيهما ، والواجب أن يكون منهيا عنه بعد الزوال ، لأنه قد صار من أهل الخطاب بحضورها لقوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) . قيل له : لا خلاف أن الخطاب بذلك لم يتوجه إلى المسافرين ، وفرض الصلاة عندنا يتعلق بآخر الوقت ، فإذا خرج وصار مسافرا في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن من أهل الخطاب بفعل الجمعة . وقوله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) ، قال الحسن والضحاك : هو إذن ورخصة . قال أبو بكر : لما ذكر بعد الحضر كان الظاهر أنه إباحة وإطلاق من حظر ، كقوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) [ المائدة : 2 ] ، وقيل : وابتغوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء لله ، وقيل : وابتغوا من فضل الله بالتصرف في التجارة ونحوها ، وهو إباحة أيضا وهو أظهر الوجهين لأنه قد حظر البيع في صدر الآية كما أمر بالسعي إلى الجمعة . قال أبو بكر : ظاهر قوله : ( وابتغوا من فضل الله ) إباحة للبيع الذي حظر بديا ، وقال الله تعالى : ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) [ المزمل : 20 ] فكان المعنى : يبتغون من فضل الله بالتجارة والتصرف . ويدل على أنه إنما أراد ذلك أنه قد عقبه بذكر الله فقال : ( واذكروا الله كثيرا ) ، وفي هذه الآية دلالة على إباحة السفر بعد صلاة الجمعة ، لأنه قال : ( فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) . وقوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) ، روي عن جابر بن عبد الله والحسن قالا : " رأوا عير طعام قدمت المدينة وقد أصابتهم مجاعة " ، وقال جابر : " اللهو المزامير " ، وقال مجاهد : " الطبل " ، ( قل ما عند الله ) " من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة " ( خير من اللهو ومن التجارة ) .