الجصاص

593

أحكام القرآن

ومن سورة الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) . قيل : إنما سموا أميين لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرأون الكتابة ، وأراد الأكثر الأعم وإن كان فيهم القليل ممن يكتب ويقرأ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الشهر هكذا وهكذا " وأشار بأصابعه ، وقال : " إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب " . وقال تعالى : ( رسولا منهم ) لأنه كان أميا ، وقال تعالى : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ) [ الأعراف : 157 ] . وقيل إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم ، لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم دون الحال التي يجري عليها المولود . وأما وجه الحكمة في جعل النبوة في أمي فإنه ليوافق ما تقدمت به البشارة في كتب الأنبياء السالفة ، ولأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة ، فهذان وجهان من الدلالة في كونه أميا على صحة النبوة . ومع أن حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم وذلك أقرب إلى مساواته لو كان ذلك ممكنا فيه ، فدل عجزهم عما أتى به على مساواته لهم في هذا الوجه على أنه من قبل الله عز وجل . وقوله تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) الآية . روي أنه أراد اليهود الذين أمروا بتعلم التوراة والعمل بها فتعلموها ثم لم يعملوا بها ، فشبههم الله بالحمار الذي يحمل الكتب - وهي الأسفار - إذ لم ينتفعوا بما حملوه كما لا ينتفع الحمار بالكتب التي حملها ، وهو نحو قوله : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) [ الفرقان : 44 ] وقوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) [ الأعراف : 175 ] إلى قوله : ( كمثل الكلب ) [ الأعراف : 176 ] . وقوله تعالى : ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس إلى قوله : ( والله عليم بالظالمين ) . روي أن اليهود زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس ، فأنزل الله هذه الآية ، وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إن تمنوه ماتوا ، فقامت الحجة عليهم بها