الجصاص
579
أحكام القرآن
فإن قيل : إنما دفع عمر السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإجارة ، والأجرة تسمى خراجا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الخراج بالضمان " ومراده أجرة العبد المشترى إذا رد بالعيب . قال أبو بكر : هذا غلط من وجوه ، أحدها : أن عمر لم يستطب نفوس القوم في وضع الخراج وترك القسمة وإنما شاور الصحابة وحاج من طلب القسمة بما أوضح به قوله ، ولو كان قد استطاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة . فإن قيل : قد نقل ذلك ، وذكر ما رواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : كنا ربع الناس فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين ، ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك فقال عمر : والله لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما قسم لكم ، فأرى أن تردوه على المسلمين . ففعل ، فأجازه عمر بثمانين دينارا ، فأتته امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين إن قومي صالحوك على أمر ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبا وتحملني على جمل ذلول وتعطيني قطيفة حمراء ، قال : ففعل . قال أبو بكر : ليس فيه دليل على أنه كان ملكهم رقاب الأرضين ، وجائز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر بهم على أعطياتهم دون الخراج ليكونوا أسوة لسائر الناس ، وكيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر أنه رأى رده على المسلمين وأظهر أنه لا يسعه غيره لما كان عنده أنه صلح للمسلمين ! وأما أمر المرأة فإنه أعطاها من بيت المال لأنه قد كان جائزا له أن يفعله من أخذ ما كان في أيديهم من السواد . وأما قوله : " إن الخراج أجرة " ففاسد من وجوه ، أحدها : أنه لا خلاف أن الإجارات لا تجوز إلا على مدة معلومة إذا وقعت على المدة ، وأيضا فإن أهلها لم يخلوا من أن يكونوا عبيدا أو أحرارا ، فإن كانوا عبيدا فإن إجارة المولى من عبده لا تجوز ، وإن كانوا أحرارا فكيف جاز أن تترك رقابهم على أصل الحرية ولا تترك أراضيهم على أملاكهم ! وأيضا لو كانوا عبيدا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم ، لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم ، وأيضا لا خلاف أن إجارة النخل والشجر غير جائزة ، وقد أخذ عمر الخراج من النخل والشجر فدل على أنه ليس بأجرة . وقد اختلف الفقهاء في شرى أرض الخراج واستيجارها ، فقال أصحابنا : " لا بأس بذلك " وهو قول الأوزاعي . وقال مالك : " أكره استيجار أرض الخراج " . وكره شريك شرى أرض الخراج وقال : لا تجعل في عنقك صغارا . وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن سليمان بن بكار قال : سأل رجل المعافى بن عمران عن الزرع في أرض الخراج ، فنهاه عن ذلك ، فقال له قائل : فإنك تزرع أنت فيها ! فقال : يا ابن أخي ليس في الشر قدوة . وقال الشافعي : " لا بأس بأن يكتري المسلم ارض خراج كما يكتري دوابهم "