الجصاص
564
أحكام القرآن
لا يختلف حكمه ، وقد اتفقنا أنه متى لم يقصد الضرار بالظهار لم يلزمه حكم الإيلاء بمضي المدة ، فوجب أن لا يلزمه وإن قصد الضرار . فإن قيل : لم يعتبر ذلك في الإيلاء لأن نفس الإيلاء ينبئ عن قصد الضرار ، إذ هو حلف على الامتناع من الوطء في المدة . قيل له : الظهار قصد إلى الضرار من حيث حرم وطأها إلا بكفارة يقدمها عليه ، فلا فرق بينهما فيما يقتضيانه من المضارة . واختلف السلف ومن بعدهم وفقهاء الأمصار في الظهار من الأمة ، فروى عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قال : " من شاء باهلته أنه ليس من أمة ظهار " ، وهذا قول إبراهيم والشعبي وابن المسيب ، وهو قول أصحابنا والشافعي . وروي عن ابن جبير والنخعي وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار قالوا : " هو ظهار " ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن صالح ، وقالوا : " يكون مظاهرا من أمته كما هو من زوجته " . وقال الحسن : " إن كان يطأها فهو مظاهر وإن كان لا يطأها فليس بظهار " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( والذين يظاهرون من نسائهم ) وهذا اللفظ ينصرف من الظهار إلى الحرائر دون الإماء ، والدليل عليه قوله تعالى : ( أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن ) [ النور : 31 ] ، فكان المفهوم من قوله : ( أو نسائهن ) [ النور : 31 ] الحرائر ، لولا ذلك ما صح عطف قوله : ( أو ما ملكت أيمانهن ) [ النور : 31 ] عليه ، لأن الشئ لا يعطف على نفسه ، وقال تعالى : ( وأمهات نسائكم ) [ النور : 31 ] ، فكان على الزوجات دون ملك اليمين . فلما كان حكم الظهار مأخوذا من الآية وكان مقتضاها مقصورا على الزوجات دون ملك اليمين ، لم يجز إيجابه في ملك اليمين ، إذ لا مدخل للقياس في إثبات ظهار في غير ما ورد فيه . ووجه آخر ، وهو ما بينا فيما سلف أنهم قد كانوا يطلقون بلفظ الظهار ، فأبدل الله تعالى به تحريما ترفعه الكفارة ، فلما لم يصح طلاق الأمة لم يصح الظهار منها . ووجه آخر ، وهو أن الظهار يوجب تحريما من جهة القول يوجب الكفارة ، والأمة لا يصح تحريمها من جهة القول ، فأشبه سائر المملوكات من الطعام والشراب متى حرمها بالقول لم تحرم ، ألا ترى أنه لو حرم على نفسه طعاما أو شرابا لم يحرم ذلك عليه وإنما يلزمه إذا أكل أو شرب كفارة يمين ؟ فكذلك ملك اليمين وجب أن لا يصح الظهار منها إذ لا يصح تحريمها من جهة القول . في الظهار بغير الأم واختلفوا فيمن قال لامرأته أنت علي كظهر أختي أو ذات محرم منه ، فقال أصحابنا : " هو مظاهر وإن قال كظهر فلانة وليست بمحرم منه لم يكن مظاهرا " ، وهو