الجصاص

56

أحكام القرآن

واحتج موجبو القراءة خلف الإمام بحديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر فتعامى عليه القراءة ، فلما سلم قال : " أتقرؤون خلفي ؟ " قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " . وهذا حديث مضطرب السند مختلف في رفعه ، وذلك أنه رواه صدقة بن خالد عن زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة عن عبادة ، ونافع بن محمود هذا مجهول لا يعرف . وقد روى هذا الحديث ابن عون عن رجاء بن حياة عن محمود بن الربيع موقوفا على عبادة لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل بوجهه فقال : " أتقرؤون والإمام يقرأ " فسكتوا ، فسألهم ثلاثا فقالوا : إنا لنفعل ، فقال : " لا تفعلوا " ، فلم يذكر فيه استثناء فاتحة الكتاب . وإنما أصل حديث عبادة ما روى يونس عن ابن شهاب قال : أخبرني محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ القرآن " . فلما اضطرب حديث عبادة هذا الاضطراب في السند والرفع والمعارضة لم يجز الاعتراض به على ظاهر القرآن والآثار الصحاح النافية للقراءة خلف الإمام . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة إلا بأم القرآن " فليس فيه إيجاب قراءتها خلف الإمام ، لأن هذه صلاة بأم القرآن ، إذ كانت قراءة الإمام له قراءة ، وكذلك حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام " فقلت : يا أبا هريرة إني أكون أحيانا خلف الإمام ؟ فغمز ذراعي وقال : اقرأ يا فارسي في نفسك . فلا حجة لهم فيه ، لأن أكثر ما فيه أنها خداج والخداج إنما هو النقصان ويدل على الجواز لوقوع اسم الصلاة عليها ، وأيضا فإنه في المنفرد ليجمع بينه وبين الآية ، والأخبار التي قدمناها في نفي القراءة خلف الإمام . وأما قول أبي هريرة : " اقرأ بها في نفسك " فإنه لم يعز ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله لا تثبت به حجة . ومما يدل على أن أخبارنا أولى اتفاق الجميع على استعمالها في النهي عن القراءة خلف الإمام في حال جهر الإمام ، وخبرهم مختلف فيه ، فكان ما اتفقوا على استعماله في حال أولى مما اختلف فيه . فإن قيل : تستعمل الأخبار كلها ، فيكون أخبار النهي فيما عدا فاتحة الكتاب وأخبار الأمر بالقراءة في فاتحة الكتاب . قيل له : هذا يبطل بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " علمت أن بعضكم خالجنيها " وقوله : " مالي أنازع القرآن " والقرآن لا يختص بفاتحة الكتاب دون