الجصاص

559

أحكام القرآن

يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإنما علق القول فيه فقال : " ما أراك إلا قد حرمت " فلم يقطع بالتحريم ، وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه قبل ذلك أنه سينسخ هذا الحكم وينقله من الطلاق إلى تحريم الظهار الآن ، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله الآية فلم يثبت الحكم فيه ، فلما نزلت الآية حكم فيها بموجبها . وقوله تعالى : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) ، يعني والله أعلم في تشبيهها بظهر الأم ، لأن الاستمتاع بالأم محرم تحريما مؤبدا ، وهي لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا ، فكان ذلك منكرا من القول وزورا . وقوله تعالى : ( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ) ، وذلك خطاب للمؤمنين يدل على أن الظهار مخصوص به المؤمنون دون أهل الذمة . فإن قيل : فقد قال الله : ( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ) ولم يخصص المذكورين في الثانية . قيل له المذكورون في الآية الثانية هم المذكورون في الآية الأولى ، فوجب أن يكون خاصا في المسلمين دون غيرهم . وأما قوله : ( ثم يعودون لما قالوا ) فقد اختلف الناس فيه ، فروى معمر عن طاوس عن أبيه : ( ثم يعودون لما قالوا ) قال : " الوطء ، فإذا حنث فعليه الكفارة " . وهذا تأويل مخالف للآية ، لأنه قال : ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) . وقد روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال : " إذا تكلم بالظهار لزمه " . وروي عن ابن عباس : " أنه إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر " . وروي عن ابن شهاب وقتادة : " إذا أراد جماعها لم يقربها حتى يكفر " . وقد اختلف فقهاء الأمصار في معنى العود ، فقال أصحابنا والليث بن سعد : " الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة " ومعنى العود عندهم استباحة وطئها فلا يفعله إلا بكفارة يقدمها . وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف : " لو وطئها ثم ماتت لم يكن عليه كفارة " . وقال الثوري : " إذا ظاهره منها لم تحل له إلا بعد الكفارة ، وإن طلقها ثم تزوجها لم يطأها حتى يكفر " ، وهذا موافق لقول أصحابنا . وقال ابن وهب عن مالك : " إذا أجمع بعد الظهار على إمساكها وإصابتها فقد وجبت عليه الكفارة ، فإن طلقها بعد الظهار ولم يجمع على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه ، وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة الظهار " . وذكر ابن القاسم عنه أنه إذا ظاهر منه ثم وطئها ثم ماتت فلا بد من الكفارة لأنه وطئ بعد الظهار . وقال أشهب عن مالك : " إذا أجمع بعد الظهار على إمساكها وإصابتها وطلب الكفارة فماتت امرأته فعليه الكفارة " . وقال الحسن : " إذا أجمع رأي المظاهر على أن يجامع امرأته فقد لزمته الكفارة وإن أراد تركها بعد ذلك ، لأن العود