الجصاص

556

أحكام القرآن

ومن سورة الحديد بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ) الآية . روي عن الشعبي قال : فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وفيه أنزلت هذه الآية ، قالوا : يا رسول الله فتح هو ؟ قال : " نعم عظيم " . وقال سعيد عن قتادة : " هو فتح مكة " . قال أبو بكر : أبان عن فضيلة الانفاق قبل الفتح على ما بعده لعظم عناء النفقة فيه وكثرة الانتفاع به ، ولأن الانفاق في ذلك الوقت كان أشد على النفس لقلة المسلمين وكثرة الكفار مع شدة المحنة والبلاء والسبق إلى الطاعة ، ألا ترى إلى قوله : ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) [ التوبة : 117 ] وقوله : ( والسابقون الأولون ) [ التوبة : 100 ] ؟ فهذه الوجوه كلها تقتضي تفضيلها . وقوله تعالى : ( فطال عليهم الأمد ) الآية ، يدل على أن كثرة المعاصي ومساكنتها وألفها تقسي القلب وتبعد من التوبة ، وهو نحو قوله : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) [ المطففين : 14 ] . وقوله تعالى : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ) . روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن كل مؤمن شهيد " لهذه الآية . وجعل قوله : ( والشهداء ) صفة لمن تقدم ذكره من المؤمنين ، وهو قول عبد الله ومجاهد . وقال ابن عباس ومسروق وأبو الضحى والضحاك : " هو ابتداء كلام وخبره : ( لهم أجرهم ونورهم ) " . وقوله تعالى : ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ) الآية . قال أبو بكر : أخبر عما ابتدعوه من القرب والرهبانية ، ثم ذمهم على ترك رعايتها بقوله : ( فما رعوها حق رعايتها ) . والابتداع قد يكون بالقول وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه ، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه ، وعمومه يتضمن الأمرين ، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها ، فوجب على ذلك أن من دخل في