الجصاص

542

أحكام القرآن

يا نبي الله من يأكل من هذا ؟ قال : " فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من الأكل منه ، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ! " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا يزيد بن مرة سنة ثلاث عشرة ومائتين قال : حدثنا ابن عون أن ناسا أتوا ابن سيرين فقالوا : إنا ننال منك فاجعلنا في حل ! فقال : لا أحل لكم ما حرم الله عليكم ، وروى الربيع بن صبيح أن رجلا قال للحسن : يا أبا سعيد إني أرى أمرا أكرهه ! قال : وما ذاك يا ابن أخي ؟ قال : أرى أقواما يحضرون مجلسك يحفظون عليك سقط كلامك ثم يحكونك ويعيبونك ، فقال : يا ابن أخي لا يكبرن هذا عليك ، أخبرك بما هو أعجب ؟ قال : وما ذاك يا عم ؟ قال : " أطمعت نفسي في جوار الرحمن وحلول الجنان والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء ولم أطمع نفسي في السلامة من الناس ، إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم الذي خلقهم ، فإذا لم يسلم خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم " . حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا داود بن المجبر قال : حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن قال : حدثني خالد بن يزيد اليمامي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته " . وقوله تعالى : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) تأكيد لتقبيح الغيبة والزجر عنه من وجوه ، أحدها : أن لحم الانسان محرم الأكل ، فكذلك الغيبة . والثاني : أن النفوس تعاف أكل لحم الانسان من جهة الطبع ، فلتكن الغيبة عندكم بمنزلته في الكراهة ولزوم اجتنابه من جهة موجب العقل ، إذ كانت دواعي العقل أحق بالاتباع من دواعي الطبع . ولم يقتصر على ذكر الانسان الميت حتى جعله أخاه ، وهذا أبلغ ما يكون في التقبيح والزجر ، فهذا كله إنما هو في المسلم الذي ظاهره العدالة ولم يظهر منه ما يوجب تفسيقه كما يجب علينا تكذيب قاذفه بذلك ، فإن كان المقذوف بذلك مهتوكا فاسقا فإن ذكر ما فيه من الأفعال القبيحة غير محظور ، كما لا يجب على سامعه النكير على قائله . ووصفه بما يكرهه على ضربين ، أحدهما : ذكر أفعاله القبيحة ، والآخر : وصف خلقته وإن كان مشينا على جهة الاحتقار له وتصغيره لا على جهة ذمه بها ولا عيب صانعها على نحو ما روينا عن الحسن في وصفه الحجاج بقبح الخلقة . وقد يجوز وصف قوم في الجملة ببعض ما إذا وصف به انسان بعينه كان غيبة محظورة ، ثم لا يكون غيبة إذا وصف به الجملة على وجه التعريف ، كما روى أبو حازم عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني تزوجت امرأة ! قال : " هل نظرت إليها ؟ فإن في أعين الأنصار شيئا " ، فإنه لم يكن غيبة ، وجعل وصف عائشة الرجل بالقصر