الجصاص

54

أحكام القرآن

فإن سبيل المأموم أن يتبع الإمام ، ولا يجوز أن يكون الإمام تابعا للمأموم ، فعلى قول هذا القائل يسكت الإمام بعد القراءة حتى يقرأ المأموم ، وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " ثم مع ذلك يكون الأمر على عكس ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " وإذا قرأ فأنصتوا " فأمر المأموم بالإنصات للإمام ، وهو يأمر الإمام بالإنصات للمأموم ويجعله تابعا له ، وذلك خلف من القول ، ألا ترى أن الإمام لو قام في الثنتين من الظهر ساهيا لكان على المأموم اتباعه ، ولو قام المأموم ساهيا لم يكن على الإمام اتباعه ، ولو سها المأموم لم يسجد هو ولا إمامه للسهو ، ولو سها الإمام ولم يسه المأموم لكان على المأموم اتباعه ؟ فكيف يجوز أن يكون الإمام مأمورا بالقيام ساكتا ليقرأ المأموم . وقد روي في النهي عن القراءة خلف الإمام آثار مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنحاء مختلفة ، فمنها حديث قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قرأ الإمام فأنصتوا " ، وحديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا " . فهذان الخبران يوجبان الإنصات عند قراءة الإمام . وقوله : " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا " إخبار منه أن من الائتمام بالإمام الإنصات لقراءته ، وهذا يدل على أنه غير جائز أن ينصت الإمام لقراءة المأموم ، لأنه لو كان مأمورا بالإنصات له فكان مأمورا بالائتمام ، به فيصير الإمام مأموما والمأموم إماما في حالة واحدة ، وهذا فاسد . ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " رواه جماعة عن جابر ، وفي بعض الألفاظ : " إذا كان لك إمام فقراءته لك قراءة " . ومنها حديث عمران بن حصين : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام " ، رواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين . وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في شرح مختصر الطحاوي . ومنها حديث مالك عن أبي نعيم وهب ابن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " وفي بعضها : " لم يصل إلا وراء الإمام " ، فأخبر أن ترك قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام لا يوجب نقصانا في الصلاة ، ولو جاز أن يقرأ لكان تركها يوجب نقصا فيها كالمفرد . وروى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، فقال : " هل قرأ معي أحد منكم آنفا ؟ " قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : " إني أقول ما لي أنازع القرآن " قال : فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله لما