الجصاص

539

أحكام القرآن

لا يغني من الحق شيئا ) [ النجم : 28 ] ، وقال : ( وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ) [ الفتح : 12 ] ، فالظن على أربعة أضرب : محظور ومأمور به ومندوب إليه ومباح . فأما الظن المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى . حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى ومحمد بن محمد بن حيان التمار قالا : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا ابن المبارك عن هشام بن الغازي عن حبان بن أبي النصر قال : سمعت وائلة بن الأسقع يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن واسع عن شتير - يعني ابن نهار - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حسن الظن من العبادة " ، وهو مرفوع في حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث موسى بن إسماعيل . فحسن الظن بالله فرض وسوء الظن به محظور منهي ، عنه وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه ، وهو من الظن المحظور المنهي عنه . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته وقمت فانقلبت ، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما إنها صفية بنت حيي " قالا : سبحان الله يا رسول الله ! قال : " إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا - أو قال : سوءا " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " . فهذا من الظن المحظور ، وهو ظنه بالمسلم سوءا من غير سبب يوجبه . وكل ظن فيما له سبيل إلى معرفته مما تعبد بعلمه فهو محظور ، لأنه لما كان متعبدا تعبد بعلمه ونصب له الدليل عليه فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا للمأمور به ، وأما ما لم ينصب له عليه دليل يوصله إلى العلم به وقد تعبد بتنفيذ الحكم فيه فالاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب ، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف ، فهذه وما كان من نظائرها