الجصاص

533

أحكام القرآن

فإن قالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد : " قتلته وهو قد قال لا إله إلا الله ! " إنما يردد ذلك مرارا ، فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله إلا الله ولا يقتل . قيل له : لأنهم كانوا يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ، فكانوا إذا أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع الأصنام واعتقاد التوحيد ، ونظير ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم القتال لأنهم إنما يقاتلون على إقامتهم على قتال أهل العدل ، فمتى كفوا عن القتال ترك قتالهم ، كما يقاتل المشركون على إظهار الاسلام فمتى أظهروه زال عنهم ، ألا ترى أن قطاع الطريق والمحاربين يقاتلون ويقتلون مع قولهم لا إله إلا الله ؟ . باب ما يبدأ به أهل البغي قال الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال أبو بكر : أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهم ، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي . وقوله تعالى : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) يعني والله أعلم : إن رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله . فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال ، ثم إن أبت الرجوع قوتلت ، وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم ، فلما أبوا القبول قاتلهم . وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم يقاتلوا ، لأنه قال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله ) ، فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال ، وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج ، وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم عبد الله بن عباس فدعاهم ، فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت طائفة على أمرها ، فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من نواحي المسجد وقالت : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : " كلمة حق يراد بها باطل ، أما إن لهم ثلاثا : أن لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه ، وأن لا نمنعهم حقهم من الفىء ما دامت أيديهم مع أيدينا ، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا " .