الجصاص
528
أحكام القرآن
ومن سورة الحجرات بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز وجل : ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) . حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) أن ناسا كانوا يقولون لولا أنزل في كذا . قال معمر : وكان الحسن يقول : " هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح " . قال أبو بكر : وروي عن مسروق أنه دخل على عائشة فأمرت الجارية أن تسقيه فقال : إني صائم ، وهو اليوم الذي يشك فيه ، فقالت : " قد نهي عن هذا " وتلت : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) في صيام ولا غيره . قال أبو بكر : اعتبرت عموم الآية في النهي عن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : " لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه " . قال أبو بكر : يحتج بهذه الآية في امتناع جواز مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم الفروض على أوقاتها وتأخيرها عنها في تركها ، وقد يحتج بها من يوجب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن في ترك ما فعله تقدما بين يديه ، كما أن في ترك أمره تقدما بين يديه . وليس ذلك كما ظنوا ، لأن التقدم بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ففعلنا غيره ، فأما ما لم يثبت أنه مراد منه فليس في تركه تقديم بين يديه . ويحتج به نفاة القياس أيضا ، ويدل ذلك على جهل المحتج به لأن ما قامت دلالته فليس في فعله تقدم بين يديه ، وقد قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع ، فليس فيه إذا تقدم بين يديه . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) فيه أمر بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره ، وهو نظير قوله تعالى : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ) [ الفتح : 9 ] ، وروي أنها نزلت في قوم كانوا إذ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قالوا فيه قبل النبي صلى الله عليه وسلم . وأيضا لما كان في رفع الصوت على الانسان في كلامه ضرب من ترك