الجصاص
523
أحكام القرآن
ومن سور الفتح بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز وجل : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ، روي أنه أراد فتح مكة ، وقال قتادة : " قضينا لك قضاء مبينا " . والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر ، لأن القضاء لا يتناوله الإطلاق ، وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه فتحها عنوة إذ كان الصلح لا يطلق عليه اسم الفتح وإن كان قد يعبر مقيدا ، لأن من قال : " فتح بلد كذا " عقل به الغلبة والقهر دون الصلح . ويدل عليه قوله في نسق التلاوة : ( وينصرك الله نصرا عزيزا ) وفيه الدلالة على أن المراد فتح مكة وأنه دخلها عنوة . ويدل عليه قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) [ النصر : 1 ] لم يختلفوا أن المراد فتح مكة . ويدل عليه قوله تعالى : ( إنا فتحنا لك ) وقوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) ، وذكره ذلك في سياق القصة يدل على ذلك ، لأن المعنى : سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي بها قاتلوا عن دين الله حتى فتحوا مكة . وقوله تعالى : ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) ، روي أن المراد فارس والروم ، وروي أنهم بنو حنيفة ، فهو دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني حنيفة ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم ، وقد ألزمهم الله اتباع طاعة من يدعوهم إليه بقوله : ( تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) فأوعدهم الله على التخلف عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء ، فدل على صحة إمامتهما ، إذ كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب . فإن قيل : قد روى قتادة أنهم هوازن وثقيف يوم حنين . قيل له : لا يجوز أن يكون الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قال : ( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) [ التوبة : 83 ] ، ويدل على أن المراد بالدعاء لهم غير النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .