الجصاص

516

أحكام القرآن

ولم يعرف أبو حنيفة معنى دهرا فلم يجب فيه بشيء . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في بعض ألفاظه : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " ، فتأوله أهل العلم على أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة والبلايا النازلة والمصائب المتلفة إلى الدهر ، فيقولون فعل الدهر بنا وصنع بنا ، ويسبون الدهر كما قد جرت عادة كثير من الناس بأن يقولوا : أساء بنا الدهر ، ونحو ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا فاعل هذه الأمور فإن الله هو فاعلها ومحدثها . وأصل هذا الحديث ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " ، قال ابن السرح : عن ابن المسيب مكان سعيد ، فقوله : " وأنا الدهر " منصوب بأنه ظرف للفعل ، كقوله تعالى : أنا أبدا بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ، وكقول القائل : أنا اليوم بيدي الأمر أفعل كذا وكذا ، ولو كان مرفوعا كان الدهر اسما لله تعالى وليس كذلك ، لأن أحدا من المسلمين لا يسمي الله بهذا الاسم . وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقول : لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما " . فهذان هما أصل الحديث في ذلك ، والمعنى ما ذكرنا ، وإنما غلط بعض الرواة فنقل المعنى عنده فقال : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ، وأما قوله في الحديث الأول : " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر " فإن الله تعالى لا يلحقه الأذى ولا المنافع والمضار ، وإنما هو مجاز معناه : يؤذي أوليائي ، لأنهم يعلمون أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي ينسبها الجهال إلى الدهر ، فيتأذون بذلك كما يتأذون بسماع سائر ضروب الجهل والكفر ، وهو كقوله : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) ، ومعناه : يؤذون أولياء الله . آخر سورة حم الجاثية .