الجصاص

500

أحكام القرآن

عرف ذلك من فحوى كلامه ، لولا ذلك لما حكم بظلمه قبل أن يسأله فيقر عنده أو تقوم عليه البينة به . وقوله تعالى : ( وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ) ، وهو يعني الشركاء ، يدل على أن العادة في أكثر الشركاء الظلم والبغي . ويدل عليه أيضا قوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) . قوله تعالى : ( وظن داود أنما فتناه ) يدل على أنه عليه السلام لم يقصد المعصية بديا ، وأن كلام الملكين أوقع له الظن بأنه قد أتى معصية وأن الله تعالى قد شدد عليه المحنة بها ، لأن الفتنة في هذا الموضع تشديد التعبد والمحنة ، فحينئذ علم أن ما أتاه كان معصية واستغفر منها . وقوله تعالى : ( وخر راكعا وأناب ) . روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في " ص " وليست من العزائم " . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجدة " ص " : " سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا " . وروى الزهري عن السائب بن يزيد أنه رأى عمر سجد في " ص " . وروى عثمان وابن عمر مثله . وقال مجاهد : قلت لابن عباس : من أين أخذت سجدة " ص " ؟ قال : فتلا علي : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] ، فكان داود سجد فيها فلذلك سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم . وروى مسروق عن ابن مسعود أنه كان لا يسجد فيها ويقول : " هي توبة نبي " . وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها اقتداء بداود لقوله : ( فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] يدل على أنه رأى فعلها واجبا ، لأن الأمر على الوجوب ، وهو خلاف رواية عكرمة عنه أنها ليست من عزائم السجود . ولما سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما سجد في غيرها من مواضع السجود ، دل على أنه لا فرق بينها وبين سائر مواضع السجود . وأما قول عبد الله : " إنها ليست بسجدة لأنها توبة نبي " فإن كثيرا من مواضع السجود إنما هو حكايات عن قوم مدحوا بالسجود ، نحو قوله تعالى : ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) [ الأعراف : 206 ] وهو موضع السجود للناس بالاتفاق ، وقوله تعالى : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ) [ الإسراء : 107 ] ونحوها من الآي التي فيها حكاية سجود قوم فكانت مواضع السجود . وقوله : ( وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون ) [ الانشقاق : 21 ] يقتضي لزوم فعله عند سماع القرآن ، فلو خلينا والظاهر أوجبناه في سائر القرآن ، فمتى اختلفنا في موضع منه فإن الظاهر يقتضي وجوب فعله إلا أن تقوم الدلالة على غيره . وأجاز أصحابنا الركوع عن سجود التلاوة ، وذكر محمد بن الحسن أنه قد روي في تأويل قوله تعالى : ( وخر راكعا ) أن معناه : خر ساجدا ، فعبر بالركوع عن