الجصاص
470
أحكام القرآن
الدنيا وزينتها لم يوجب ذلك تفريقا بينها وبين زوجها ، فلما كان السبب الذي من أجله أوجب الله التخيير المذكور في الآية غير موجب للتخيير في نساء غيره فلا دلالة فيه على التفريق بين امرأة العاجز عن النفقة وبينه . وأيضا فإن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للآخرة دون الدنيا وإيثاره للفقر دون الغنى لم يوجب أن يكون عاجزا عن نفقة نسائه ، لأن الفقير قد يقدر على نفقة نسائه مع كونه فقيرا ، ولم يدع أحد من الناس ولا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عاجزا عن نفقة نسائه بل كان يدخر لنسائه قوت سنة ، فالمستدل بهذه الآية على ما ذكر مغفل لحكمها . قوله تعالى : ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) . قيل في تضعيف عذابهن وجهان ، أحدهما : أنه لما كانت نعم الله عليهن أكثر منها على غيرهن بكونهن أزواجا للنبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي في بيوتهن وتشريفهن بذلك ، كان كفرانها منهن أعظم وأجدر بعظم العقاب ، لأن النعمة كلما عظمت كان كفرانها أعظم فيما يستحق به من العقاب ، إذ كان استحقاق العقاب على حسب كفران النعمة ، ألا ترى أن من لطم أباه استحق من العقوبة أكثر مما يستحقه من لطم أجنبيا لعظم نعمة أبيه عليه وكفرانه لها بلطمته ؟ ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في نسق التلاوة : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) ، فدل على أن تضعيف العذاب عليهن بالمعصية لأجل عظم النعمة عليهن بتلاوة آيات الله في بيوتهن ، ومن أجل ذلك عظمت طاعاتهن علي أيضا بقوله : ( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ) لأن الطاعة في استحقاق الثواب بها بإزاء المعصية في استحقاق العقاب بها . والوجه الآخر : أن في إتيانهن المعاصي أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لما يلحق من العار والغم ، ومعلوم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أعظم جرما ممن آذى غيره ، وقال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) ثم قال : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) . ولما عظم الله تعالى طاعات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب بها الأجر مرتين دل بذلك على أن أجر العامل العالم أفضل وثوابه أعظم من العامل غير العالم ، وقوله تعالى : ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) قد دل على ذلك . قوله تعالى : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) . قيل فيه أن لا تلين القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن من أهل الريبة . وفيه الدلالة على أن ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن ويستدل به على رغبتهن فيهم ، والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث