الجصاص
467
أحكام القرآن
وقوله تعالى : ( وأرضا لم تطؤوها ) قال الحسن : " أرض فارس والروم " . وقال قتادة : " مكة " . وقال يزيد بن رومان : " خيبر " . قال أبو بكر : من الناس من يحتج به في أن الأرضين العنوية التي يظهر عليها الإمام يملكها الغانمون ولا يجوز للإمام أن يقر أهلها عليها على أنها ملك لهم ، لقوله : ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها ) ، وظاهره يقتضي إيجاب الملك لهم . ولا دلالة فيه على ما ذكروا ، لأن ظاهر قوله : ( وأورثكم ) لا يختص بإيجاب الملك دون الظهور والغلبة وثبوت اليد ، ومتى وجد أحد هذه الأشياء فقد صح معنى اللفظ ، قال الله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) [ فاطر : 32 ] ولم يرد بذلك الملك . وأيضا فلو صح أن المراد الملك كان ذلك في أرض بني قريظة في قوله : ( وأورثكم أرضهم ) ، وأما قوله : ( وأرضا لم تطؤوها ) فإنه يقتضي أرضا واحدة لا جميع الأرضين ، فإن كان المراد خيبر فقد ملكها المسلمون ، وإن كان المراد أرض فارس والروم لقد ملك المسلمون بعض أرض فارس والروم ، فقد وجد مقتضى الآية ولا دلالة فيه على أن سبيلهم أن يملكوا جميعها ، إذ كان قوله : ( وأرضا لم تطؤوها ) لم يتناول إلا أرضا واحدة ، فلا دلالة فيه على قول المخالف . وقوله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) الآية . حدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : لما نزلت : ( وإن كنتن تردن الله ورسوله ) دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بي فقال : " يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت : قد علم الله تعالى أن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه ، قالت : فقرأ علي : ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) الآية ، فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . وروى غير الجرجاني عن عبد الرزاق ، قال معمر : فأخبرني أيوب أن عائشة قالت : يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني أختارك ! قال : " إنما بعثت معلما ولم أبعث متعنتا " . قال أبو بكر : اختلف الناس في معنى تخيير الآية ، فقال قائلون وهم الحسن وقتادة : " إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة ، لأنه قال : ( إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) إلى قوله : ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ) " وقال آخرون : " بل كان تخييرا للطلاق على شريطة أنهن إذا اخترن الدنيا وزينتها كن مختارات للطلاق ، لأنه تعالى قال : ( إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) فجعل اختيارهن للدنيا اختيارا للطلاق " . ويستدلون عليه أيضا بما روى مسروق