الجصاص
452
أحكام القرآن
ومن سورة القصص بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ) . من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر ، وليس فيه دلالة على ما ذكروا لأنه شرط منافعه لشعيب عليه السلام ولم يشرط لها مهرا ، فهو بمنزلة من تزوج امرأة بغير مهر مسمى وشرط لوليها منافع الزوج مدة معلومة ، فهذا إنما يدل على جواز عقد النكاح من غير تسمية مهر ، وشرطه للمولى ذلك يدل على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد . وجائز أن يكون قد كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة ، فإن كان كذلك فهذا منسوخ بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدل على أنه قد كان جائزا في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة . ويحتج به في جواز الزيادة في العقود لقوله تعالى : ( فإن أتممت عشرا فمن عندك ) ، قال ابن عباس : " قضى موسى أتم الأجلين وأوفاهما " . قوله تعالى : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) الآية . قال مجاهد : " كان ناس من أهل الكتاب أسلموا ، فآذاهم المشركون فصفحوا عنهم ، يقولون سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " . قال أبو بكر : هذا سلام متاركة وليس بتحية ، وهو نحو قوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " [ الفرقان : 63 ] ، وقوله : ( واهجرني مليا ) [ مريم : 46 ] ، وقال إبراهيم : ( سلام عليك سأستغفر لك ربي ) [ مريم : 47 ] . ومن الناس من يظن أن هذا يجوز على جواز ابتداء الكافر بالسلام . وليس كذلك ، لما وصفنا من أن السلام ينصرف على معنيين ، أحدهما : المسالمة التي هي المتاركة ، والثاني : التحية التي هي دعاء بالسلامة والأمن ، نحو تسليم المسلمين بعضهم على بعض ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " للمؤمن على المؤمن ست أحدهما أن يسلم عليه إذا لقيه " ، وقوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] ، وقوله : ( تحيتهم فيها سلام ) [ إبراهيم : 23 ] . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكفار : " لا تبدأوهم بالسلام " . " وأنه إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " .