الجصاص
442
أحكام القرآن
وجود ماء غيره كانت الحال الأخرى مثله لاتفاق الجميع على امتناع الفصل بينهما . ووجه آخر يوجب أن يكون لزوم اجتناب النجاسة أولى من وجوب استعمال الماء الذي هي فيه ، لعموم قوله : ( فاغسلوا ) [ المائدة : 6 ] إذا لم يجد ماء غيره ، وهو أن تحريم استعمال النجاسة متعلق بعينها ، ألا ترى أنه ما من نجاسة إلا وعلينا اجتنابها وترك استعمالها إذا كانت منفردة ، والماء الذي لا نجد غيره لم يتعين فيه لزوم الاستعمال ؟ ألا ترى أنه لو أعطاه انسان ماء غيره أو غصبه فتوضأ به كانت طهارته صحيحة ؟ فلما لم يتعين فرض طهارته بذلك وتعين عليه حظر استعمال النجاسة صار للزوم اجتناب النجاسة مزية على وجوب استعمال الماء الذي لا يجد غيره إذا كانت فيه النجاسة ، فوجب أن يكون العموم الموجب لاجتنابها عند أولى . وأيضا لا نعلم خلافا بين الفقهاء في سائر المائعات إذا خالطه اليسير من النجاسات ، كاللبن والأدهان والخل ونحوه ، وأن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه ، والدلالة من هذا الأصل على ما ذكرناه من وجهين أحدهما لزوم اجتناب النجاسات بالعموم الذي قدمنا في حالي المخالطة والانفراد ، والآخر : أن حكم الحضر وهو النجاسات كان أغلب من حكم الإباحة وهو الذي خالطه من الأشياء الطاهرة ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره ، إذ كان عموم الآي والسنن شاملة له ، وإذ كان المعنى وجود النجاسة فيه حظر استعماله . ويدل على صحة قولنا من جهة السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة " وفي لفظ آخر : " ولا يغتسل فيه من جنابة " . ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته ، ومنع النبي صلى الله عليه وسلم منه فإن قيل : إنما منع البول القليل لأنه لو أبيح لكل أحد لكثر حتى يتغير طعمه أو لونه أو رائحته فيفسد . قيل له : ظاهر نهيه يقتضي أن يكون القليل منهيا عنه لنفسه لا لغيره ، وفي حمله على أنه ليس بمنهي عنه لنفسه وأنه إنما منع لئلا يفسد لغيره إثبات معنى غير مذكور في اللفظ ولا دلالة عليه وإسقاط حكم المذكور في نفسه ، وعلى أنه متى حمل على ذلك زالت فائدته وسقط حكمه لعلمنا بأن ما غير من النجاسات طعم الماء أو لونه أو رائحته محظور استعماله بغير هذا الخبر من النصوص والإجماع ، فيؤدي ذلك إلى اسقاط حكمه رأسا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة " فمنع البائل الاغتسال فيه بعد البول قبل أن يصير إلى حال التغير . ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده " فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء ، ومعلوم أن مثلها إذا حلت الماء لم يغيره ، ولولا أنها تفسده لما كان للأمر بالاحتياط منها