الجصاص
439
أحكام القرآن
يكن وقت نزوله من السماء مخالطا للطين ؟ وكذلك ماء البحر لم ينزل من السماء على هذه الهيئة والوضوء به جائز ، لأن الغالب عليه هو الماء المنزل من السماء ، فهو إذا مع اختلاط غيره به متطهر بالماء الذي أنزله الله من السماء وسماه طهورا . فإن قيل : فيجب على هذا جواز الوضوء بالماء الذي خالطته نجاسة يسيرة ، لأنه لم يخرج بمخالطة النجاسة إياه من أن يكون هذا الماء هو المنزل من السماء . قيل له : الماء المخالط للنجاسة هو باق بحاله لم يصر نجس العين ، فلو لم يكن هناك إلا مخالطة غيره له لما منعنا الوضوء به ، ولكنا منعنا الطهارة به مع كونه ماء منزلا من السماء من قبل أنه لا نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة ، واستعمال النجاسة محظور ، فإنما منعنا استعمال النجاسة وليس بمحظور علينا استعمال الأشياء الطاهرة وإن خالطت الماء ، فإذا حصل معه استعمال الماء للطهارة جاز ، كمن توضأ بماء القراح ثم مسح وجهه بماء الورد أو بماء الزعفران فلا يبطل ذلك طهارته . وقد أجاز الشافعي الوضوء بما ألقي فيه كافور أو عنبر وهو يوجد منه ريحه وبما خالطه ورد يسير ، وإن وقع مثله من النجاسة في أقل من قلتين لم يجز استعماله ، فليس قياس النجاسة قياس الأشياء الطاهرة إذا خالطت الماء . فإن قيل : يلزمك أن تجيز الوضوء بالماء الذي يخالطه ما يغلب عليه شيء من الأشياء الطاهرة إذا كان الماء لو انفرد كفاء لوضوئه ، لأنه لو انفرد جاز ، ولأنه هو المنزل من السماء في حال المخالطة وإن غلب عليه غيره حتى سلبه إطلاق اسم الماء . قيل له : لا يجب ذلك ، من قبل أن غلبة غيره عليه ينقله إلى حكمه ويسقط حكم القليل معه ، بدلالة أن قطرة من خمر لو وقعت في حب ماء فشرب منه انسان لم يقل إنه شارب خمر ولا يجب عليه الحد ، ولو أن خمرا صب فيها ماء فمزجت به فكان الخمر هو الغالب لإطلاق الناس عليه أنه شارب خمر وكان حكمه في وجوب الحد عليه حكم شاربها صرفا غير ممزوجة ، وأما ماء الورد وماء الزعفران وعصارة الريحان والشجر فلم يمنع الوضوء به من أجل مخالطة غيره ولكن لأنه ليس بالماء المفروض به الطهارة ولا يتناوله الاسم إلا بتقييد ، كما سمى الله تعالى المني ماء بقوله : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) [ المرسلات : 20 ] ، وقال : ( والله خلق كل دابة من ماء ) [ النور : 45 ] ، وليس هو من الماء المفروض به الطهارة في شيء . وأما مذهب الحسن بن صالح في إجازته الوضوء بالخل ونحوه ، فإنه يلزمه إجازته بالمرق وبعصير أهل العنب لو خالطه شيء يسير من ماء ، ولو جاز ذلك لجاز الوضوء بسائر المائعات من الأدهان وغيرها ، وهذا خلاف الاجماع ، ولو جاز ذلك لجاز التيمم بالدقيق والأشنان قياسا على التراب .