الجصاص

437

أحكام القرآن

ومن سورة الفرقان بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز وجل : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ، الطهور على وجه المبالغة في الوصف له بالطهارة وتطهير غيره ، فهو طاهر مطهر ، كما يقال : رجل ضروب وقتول أي يضرب ويقتل ، وهو مبالغة في الوصف له بذلك . والوضوء يسمى طهورا لأنه طهر من الحدث المانع من الصلاة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " أي بما يطهر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " فسماه طهورا من حيث استباح به الصلاة وقام مقام الماء فيه . وقد اختلف في حكم الماء على ثلاثة أنحاء ، أحدها : إذا خالط الماء غيره من الأشياء الطاهرة ، والثاني : إذا خالطته نجاسة ، والثالث : الماء المستعمل ، فقال أصحابنا : " إذا لم تخالطه نجاسة ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم الماء لأجل الغلبة ولم يستعمل لطهارة البدن فالوضوء به جائز ، فإن غلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم الماء مثل المرق وماء الباقلاء والخل ونحوه فإن الوضوء به غير جائز ، وما طبخ بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون فالوضوء به جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي ، وكذلك إن وقع فيه زعفران أو شيء مما يصبغ بصبغه وغير لونه فالوضوء به جائز لأجل غلبة الماء " . وقال مالك : " لا يتوضأ بالماء الذي يبل فيه الخبز " . وقال الحسن بن صالح : " إذا توضأ بزردج أو نشاسبتج أو بخل أجزأه ، وكذلك كل شيء غير لونه " . وقال الشافعي : " إذا بل فيه خبزا وغير ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه وخرج منه فلا يجوز التطهر به ، وكذلك الماء الذي غلب عليه الزعفران أو الأشنان " ، وكثير من أصحابه يشرط فيه أن يكون بعض الغسل بغير الماء . قال أبو بكر : الأصل فيه قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) [ المائدة : 6 ] إلى قوله : ( فلم تجدوا ماء ) [ المائدة : 6 ] فيه الدلالة من وجهين على قولنا ، أحدهما : أن قوله : ( فاغسلوا ) عموم في سائر المائعات بجواز إطلاق اسم