الجصاص

414

أحكام القرآن

زياد عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا بشر قال : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عبيد بن سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح " . قال إبراهيم بن ميسرة : ولا أقول لك إلا ما قال عمر لأبي الزوائد : ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور . فإن قيل : قوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) عمومه يقتضي تزويج الأب ابنته البكر الكبيرة ، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج البنت الكبيرة بغير رضاها لكان جائزا له تزويجها بغير رضاها لعموم الآية . قيل له : معلوم أن قوله : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) لا يختص بالنساء دون الرجال ، لأن الرجل يقال له أيم والمرأة يقال لها أيمة ، وهو اسم للمرأة التي لا زوج لها والرجل الذي لا امرأة له ، قال الشاعر : فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي * وإن كنت أفتى منكم أتأيم وقال آخر : ذريني لا على أيم منكم وناكح وقال عمر بن الخطاب : " ما رأيت مثل من يجلس أيما بعد هذه الآية : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) التمسوا الغنا في الباه " . فلما كان هذا الاسم شاملا للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء أيضا ، وأيضا قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر بقوله : " البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها " ، وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر ، وذلك على الوجوب فلا يجوز تزويجها إلا بإذنها . وأيضا فإن حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها " ، وإنما أراد به البكر لأن البكر هي التي يكون سكوتها رضا . وحديث ابن عباس في فتاة بكر زوجها أبوها بغير أمرها ، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيزي ما صنع أبوك " ، وقد بينا هذه المسألة فيما سلف . قوله تعالى : ( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) فيه دلالة على أن للمولى أن يزوج عبده وأمته بغير رضاهما ، وأيضا لا خلاف أنه غير جائز للعبد والأمة أن يتزوجا بغير إذن . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر " فثبت أن العبد والأمة لا يملكان ذلك ، فوجب أن يملك المولى منهما ذلك كسائر العقود التي لا يملكانها ويملكها المولى عليهما .