الجصاص

412

أحكام القرآن

قالت : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال : " لا أرى هذا يعلم ما ههنا ، لا يدخلن عليكن " ، فحجبوه . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعنده مخنث ، فأقبل على أخي أم سلمة فقال : يا عبد الله لو فتح الله لكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان : فقال : " لا أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخل عليكم " . فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة ، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه . وقوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) ، قال مجاهد : " هم الذين لا يدرون ما هن من الصغر " . وقال قتادة : الذين لم يبلغوا الحلم منكم " . قال أبو بكر : قول مجاهد أظهر لأن معنى أنهم لم يظهروا على عورات النساء إنهم لا يميزون بين عورات النساء والرجال لصغرهم وقلة معرفتهم بذلك ، وقد أمر الله تعالى الطفل الذي قد عرف عورات النساء بالاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله : ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) وأراد به الذي عرف ذلك واطلع على عورات النساء ، والذي لا يؤمر بالاستئذان أصغر من ذلك . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " ، فلم يأمر بالتفرقة قبل العشر وأمر بها في العشر ، لأنه قد عرف ذلك في الأكثر الأعم ولا يعرفه قبل ذلك في الأغلب . وقوله تعالى : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . روى أبو الأحوص عن عبد الله قال : " هو الخلخال " ، وكذلك قال مجاهد : " إنما نهيت أن تضرب برجليها ليسمع صوت الخلخال " وذلك قوله : ( ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . قال أبو بكر : قد عقل من معنى اللفظ النهي عن إبداء الزينة وإظهارها لورود النص في النهي عن إسماع صوتها ، إذ كان إظهار الزينة أولى بالنهي مما يعلم به الزينة ، فإذا لم يجز بأخفى الوجهين لم يجز بأظهرهما ، وهذا يدل على صحة القول بالقياس على المعاني التي قد علق الأحكام بها ، وقد تكون تلك المعاني تارة جلية بدلالة فحوى الخطاب عليها وتارة خفية يحتاج إلى الاستدلال عليها بأصول أخر سواها . وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب ، إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها ، ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك ، وهو يدل أيضا على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذ كان ذلك أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة .