الجصاص
410
أحكام القرآن
على أن من كان في التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم ، مثل زواج الابنة وأم المرأة والمحرمات من الرضاع ونحوهن . وروي عن سعيد بن جبير أنه سئل عن الرجل ينظر إلى شعر أجنبية ، فكرهه وقال : ليس في الآية . قال أبو بكر : إنه وإن لم يكن في الآية فهو في معنى ما ذكر فيها من الوجه الذي ذكرنا ، وهذا الذي ذكر من تحريم النظر في هذه الآية إلا ما خص منه إنما هو مقصور على الحرائر دون الإماء ، وذلك لأن الإماء لسائر الأجنبيين بمنزلة الحرائر لذوي محارمهن فيما يحل النظر إليه ، فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها كما يجوز لذوي المحرم النظر إلى ذات محرمه ، لأنه لا خلاف أن للأجنبي النظر إلى شعر الأمة . وروي أن عمر كان يضرب الإماء ويقول : " اكشفن رؤوسكن ولا تتشبهن بالحرائر " ، فدل على أنهن بمنزلة ذوات المحارم . ولا خلاف أيضا أنه يجوز للأمة أن تسافر بغير محرم ، فكان سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر حين جاز لهم السفر بهن ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج " فلما جاز للأمة أن تسافر بغير محرم علمنا أنها بمنزلة الحرة لذوي محرمها فيما يستباح النظر إليه منها . وقوله : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج " دال على اختصاص ذي المحرم باستباحة النظر منها إلى كل ما لا يحل للأجنبي ، وهو ما وصفنا بديا . وروى منذر الثوري أن محمد ابن الحنفية كان يمشط أمه ، وروى أبو البختري أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمشط ، وعن ابن الزبير مثله في ذات محرم منه . وروي عن إبراهيم : أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وأخته وخالته وعمته ، وكره الساقين . قال أبو بكر : لا فرق بينهما في مقتضى الآية . وروى هشام عن الحسن في المرأة تضع خمارها عند أخيها قال : " والله ما لها ذلك " . وروى سفيان عن ليث عن طاوس : أنه كره أن ينظر إلى شعر ابنته وأخته . وروى جرير عن مغيرة عن الشعبي : أنه كره أن يسدد الرجل النظر إلى شعر ابنته وأخته . قال أبو بكر : وهذا عندنا محمول على الحال التي يخاف فيها أن تشتهى ، لأنه لو حمل على الحال التي يأمن فيها الشهوة لكان خلاف الآية والسنة ولكان ذو محرمها والأجنبيون سواء . والآية أيضا مخصوصة في نظر الرجال دون النساء ، لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر من الرجل وهو السرة فما فوقها وما تحت الركبة ، والمحظور عليهن من بعضهن لبعض ما تحت السرة إلى الركبة . وقوله تعالى : ( أو نسائهن ) . روي أنه أراد نساء المؤمنات . قوله : ( أو ما ملكت أيمانهن ) ، تأوله ابن عباس وأم سلمة وعائشة أن للعبد أن