الجصاص
400
أحكام القرآن
حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويحتج من يقول ذلك بظاهر هذه الآية وأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة . وليس فيما ذكروا دلالة على سقوط الكفارة ، لأن الله قد بين إيجاب الكفارة في قوله : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) [ المائدة : 89 ] ، وقوله : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) [ المائدة : 59 ] ، وذلك عموم فيمن حنث فيما هو خير وفي غيره . وقال الله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها : ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) [ ص : 44 ] ، وقد علمنا أن الحنث كان خيرا من تركه وأمره الله تعالى بضرب لا يبلغ منها ، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة . وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته " . فإن معناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة في الكتاب ، وذلك لأنه منهي عن أن يحلف على ترك طاعة الله ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث والتوبة وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي اقترفه بالحلف . قوله تعالى : ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ) . روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك قالوا : " الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال " . وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال : " الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال " ، وهو قريب من الأول ، وهو نحو قوله : ( قل كل يعمل على شاكلته ) [ الإسراء : 84 ] . وقيل : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، على نحو قوله : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) وأن ذلك منسوخ بما ثبت في موضعه . باب الاستئذان قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) . روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة قالوا : " الاستئناس الاستئذان " فيكون معناه : حتى تستأنسوا بالإذن . وروى شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف : " حتى تستأذنوا " وقال : " غلط الكاتب " . وروى القاسم بن نافع عن مجاهد : ( حتى تستأنسوا ) قال : " هو التنحنح والتنخع " . وفي نسق التلاوة ما دل على أنه أراد الاستئذان ، وهو قوله : ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) . الاستيناس قد يكون للحديث كقوله تعالى : ( ولا مستأنسين لحديث ) [ الأحزاب : 53 ] ، وكان روي عن عمر في حديثه الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم انفرد في مشربة له حين هجر نساءه ، فاستأذنت عليه