الجصاص

398

أحكام القرآن

يجري عليها من الأمور ، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه قد جرى على جميعهم ، كما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن دوست قال : حدثنا جعفر بن حميد قال : حدثنا الوليد بن أبي ثور قال : حدثنا عبد الملك بن عمير عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه وجع كله بالسهر والحمى " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال : حدثنا عبد الله بن ناصح قال : حدثنا أبو مسلم عبد الله بن سعيد عن مالك بن مغول عن أبي بردة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمنون للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا " . قوله تعالى : ( لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) . قد أبانت هذه الآية عن معنيين ، أحدهما : أن الحد واجب على القاذف ما لم يأت بأربعة شهداء ، والثاني : أنه لا يقبل في إثبات الزنا أقل من أربعة شهداء . وقوله : ( فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) ، قال أبو بكر : قد حوى ذلك معنيين ، أحدهما : أنهم متى لم يقيموا أربعة من الشهداء فهم محكومون بكذبهم عند الله في إيجاب الحد عليهم ، فيكون معناه : فأولئك في حكم الله هم الكاذبون ، فيقتضي ذلك الأمر بالحكم بكذبهم ، فإن كان جائزا أن يكونوا صادقين في المغيب عند الله ، وذلك جائز سائغ ، كما قد تعبدنا بأن نحكم لمن ظهر منه عمل الخيرات وتجنب السيئات بالعدالة وإن كان جائزا أن يكون فاسقا في المغيب عند الله تعالى . والوجه الثاني : أن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها وفي قذفتها ، فأخبر بقوله : ( فأولئك عند الله هم الكاذبون ) بمغيب خبرهم وأنه كذب في الحقيقة لم يرجعوا فيه إلى صحة ، فمن جوز صدق هؤلاء فهو راد لخبر الله . قوله تعالى : ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) . قرىء : " تلقونه " بالتشديد . قال مجاهد : " يرويه بعضهم عن بعض ليشيعه " . وعن عائشة : " تلقونه " ومن ولق الكذب ، وهو الاستمرار عليه ، ومنه : ولق فلان في السير إذا استمر عليه . فذمهم تعالى على الإقدام على القول بما لا علم لهم به ، وذلك قوله : ( تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) ، وهو نحو قوله : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) [ الإسراء : 36 ] ، فأخبر أن ذلك وإن كان يقينا في ظنهم وحسبانهم فهو عظيم الإثم عنده ليرتدعوا عن مثله عند علمهم بموقع المأثم فيه ، ثم قال : ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا