الجصاص
368
أحكام القرآن
الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ، ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام " ، وهو قول الليث بن سعد . وقال الشافعي : " يحده المولى ويقطعه " . وقال الثوري : " يحده المولى في الزنا " رواية الأشجعي ، وذكر عنه الفريابي : " أن المولى إذا حد عبده ثم أعتقه جازت شهادته " . وقال الأوزاعي : " يحده المولى " . وروي عن الحسن قال : " ضمن هؤلاء أربعا : الصلاة والصدقة والحدود والحكم " ، رواه عنه ابن عون ، وروي عنه بدل الصلاة الجمعة . وقال عبد الله بن محيريز : " الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان " . وقد روى حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه وهو عالم فخذوا عنه - فسمعته يقول : " الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان " ، وقد قيل إن أبا عبد الله هذا يظن أنه أخو أبي بكرة واسمه نافع فهؤلاء والسلف قد روي عنهم ذلك ، ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه . وقد روي عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبد الله بن مسعود حدا بالشام ، وقال الأعمش : هم أمراء حيث كانوا وجائز أن يكون عبد الله بن مسعود قد كان ولي ذلك لأنه لم يذكر إن المحدود كان عبده . فإن قيل : روي عن ابن أبي ليلى أنه قال : أدركت بقايا الأنصار يضربوا الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم . قيل له : يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على وجه التعزير لا على وجه إقامة الحد ، لأنهم لم يكونوا مأمورين برفعها إلى الإمام بل كانوا مأمورين بالستر عليها وترك رفعها إلى الإمام . والدليل على أن إقامة الحد على المملوك إلى الإمام دون المولى قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزا بما كسبا ) [ المائدة : 38 ] ، وقال : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ، وقال في آية أخرى : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) [ النساء : 25 ] ، وقد علم من قرع سمعه هذا الخطاب من أهل العلم أن المخاطبين بذلك هم الأئمة دون عامة الناس ، فكان تقديره : فليقطع الأئمة والحكام أيديهما وليجلدهما هو الأئمة والحكام . ولما ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم الأئمة ولم تفرق هذه الآيات بين المحدودين من الأحرار والعبيد ، وجب أن يكون فيهم جميعا وأن يكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي ز ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون له تضمين الشهود ، ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة ، لأنه لو لم يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئا ، فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم ، ومعلوم أن أحدا من الناس