الجصاص
358
أحكام القرآن
عنه إلا بلفظ يقتضي صيغته رفع العموم ، وليس ذلك بموجود في لفظ الاستثناء . فإن قيل : لو قال رجل : عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله ، رجع الاستثناء إلى الجميع ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا إن شاء الله " ، فكان استثناؤه راجعا إلى جميع الأيمان ، إذ كانت معطوفة بعضها على بعض . قيل له : ليس هذا مما نحن فيه في شيء ، لأن هذا الضرب من الاستثناء مخالف للاستثناء الداخل على الجملة بحروف الاستثناء التي هي " إلا " و " غير " و " سوى " ونحو ذلك ، لأن قوله : " إن شاء الله " يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت منه شيء ، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله إلا لرفع حكم الكلام رأسا ، ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء ولو قال أنت طالق إلا طالق كان الطلاق واقعا والاستثناء باطلا لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام ؟ ولذلك جاز أن يكون قوله " إن شاء الله " راجعا إلى جميع المذكور المعطوف بعضه على بعض ولم يجب مثله فيما وصفنا . فإن قيل : فلو كان قال : أنت طالق وعبدي حر إلا أن يقدم فلان " كان الاستثناء راجعا إلى الجميع ، فإن لم يقدم فلان حتى مات طلقت امرأته وعتق عبده وكان ذلك بمنزلة قوله : إن شاء الله . قيل له : ليس ذلك على ما ظننت ، من قبل أن قوله : " إلا أن يقدم فلان " وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء فإنه في معنى الشرط كقوله : " إن لم يقدم فلان " ، وحكم الشرط أن يتعلق به جميع المذكور إذا كان بعضه معطوفا على بعض ، وذلك لأن الشرط يشبه الاستثناء الذي هو مشيئة الله عز وجل من حيث كان وجوده عاملا في رفع الكلام حتى لا يثبت منه شيء ، ألا ترى أنه ما لم يوجد الشرط لم يقع شيء ؟ وجائز أن لا يوجد الشرط أبدا فيبطل حكم الكلام رأسا ولا يثبت من الجزاء شيء ، فلذلك جاز رجوع الشرط إلى جميع المذكور كما جاز رجوع الاستثناء بمشيئة الله تعالى . قال أبو بكر : وقوله : " إلا أن يقدم فلان " هو شرط وإن دخل عليه حرف الاستثناء ، وأما الاستثناء المحض الذي هو قوله : ( إلا الذين تابوا ) [ البقرة : 16 ] ، و ( إلا آل لوط ) [ الحجر ، 59 ] وما جرى مجراه ، فإنه لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأسا حتى لا يثبت منه شيء ، ألا ترى أن قوله : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) لا بد من أن يكون حكمه ثابتا في وقت ما وأن من رد الاستثناء إليه فإنما يرفع حكمه في بعض الأوقات بعد ثبات حكمه في بعضها ؟ وكذلك قوله : ( إلا آل لوط ) [ الحجر : 59 ] غير جائز أن يكون رافعا لحكم النجاة عن الأولين ، وإنما عمل في بعض ما انتظمه لفظ العموم . ويستدل بما ذكرنا على أن حقيقة هذا الضرب من الاستثناء رجوعه إلى ما يليه دون