الجصاص
326
أحكام القرآن
أنها ليست بواجبة علينا ، إلا أن الأخبار لو تعارضت لكانت الأخبار المقتضية للإيجاب أولى بالاستعمال من وجهين ، أحدهما : أن الإيجاب طارىء على إباحة الترك ، والثاني : أن فيه حظر الترك وفي نفيه إباحة الترك والحضر أولى من الإباحة . ومما يحتج به في نفي الوجوب ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا هارون بن عبد الله قال : حدثنا عبد الله بن يزيد قال : حدثني سعيد بن أيوب قال : حدثني عياش القتباني عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة " فقال رجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي بها ؟ قال : " لا ، ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل " . فلما جعل هذه الأشياء بمنزلة الأضحية دل على أن الأضحية غير واجبة ، إذ كان فعل هذه الأشياء غير واجب وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثني إبراهيم بن موسى الرازي قال : حدثنا عيسى قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجئين ، فلما وجههما قال : " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، اللهم منك ولك عن محمد وأمته ، باسم الله والله أكبر " ، ثم ذبح . قالوا : ففي ذبحه عن الأمة دلالة على أنها غير واجبة ، لأنها لو كانت واجبة لم تجز شاة عن جميع الأمة . قال أبو بكر : وهذا لا ينفي الوجوب ، لأنه تطوع بذلك ، وجائز أن يتطوع عمن قد وجب عليه كما يتطوع الرجل عن نفسه ولا يسقط ذلك عنه وجوب ما يلزمه . ومما يحتج من نفي الوجوب ما قدمنا روايته عن السلف من نفي إيجابه ، وفيه الدلالة من وجهين على ذلك ، أحدهما : أنه لم يظهر من أحد من نظرائهم من السلف خلافه ، وقد استفاض عمن ذكرنا قولهم من السلف نفي إيجابه . والثاني : أنه لو كان واجبا مع عموم الحاجة إليه لوجب أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف لأصحابه على وجوبه ، ولو كان كذلك لورد النقل به مستفيضا متواترا وكان لا أقل من أن يكون وروده في وزن ورود إيجاب صدقة الفطر لعموم الحاجة إليه ، وفي عدم النقل المستفيض فيه دلالة على نفي الوجوب . ويحتج فيه بأنه لو كان واجبا وهو حق في مال لما اختلف حكم المقيم والمسافر فيه كصدقة الفطر ، فلما لم يوجبه أبو حنيفة على المسافر دل على أنه غير واجب . ويحتج فيه أيضا بأنه لو كان واجبا وهو حق في مال لما أسقطه مضي الوقت ،