الجصاص

321

أحكام القرآن

عنهم . وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله عليهم ، وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة القائمين بأوامر الله منتهين عن زواجره ونواهيه ، ولا يدخل معاوية في هؤلاء لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ، وليس معاوية من المهاجرين بل هو من الطلقاء . قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) الآية . مطلب : في [ تلك الغرانيق العلى ] إلى آخره روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس : أن السبب في نزول هذه الآية إنه لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) [ النجم : 19 و 20 ] ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجي " . وقد اختلف في معنى ألقى الشيطان ، فقال قائلون : لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة وذكر فيها الأصنام علم الكفار أنه يذكرها بالذم والعيب ، فقال قائل منهم حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى : ( أفرأيتم اللات والعزى ) [ النجم : 19 ] : " تلك الغرانيق العلى " وذلك بحضرة الجمع الكثير من قريش في المسجد الحرام ، فقال سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه : إن محمدا قد مدح آلهتنا ، وظنوا أن ذلك كان في تلاوته ، فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين ، وسمى الذي ألقى ذلك في حال تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا لأنه كان من شياطين الإنس كما قال تعالى : ( شياطين الإنس والجن ) [ الأنعام : 112 ] ، والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس . وقيل : إنه جائز أن يكون شيطانا من شياطين الجن ، وقال ذلك عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء عليهم السلام كما حكى الله تعالى عنه بقوله : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) [ الأنفال : 48 ] ، وقال : ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون ) [ البقرة : 196 ] . وإنما قال ذلك إبليس حين تصور في صورة سراقة بن مالك لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر ، وكما تصور في صورة الشيخ النجدي حين تشاورت قريش في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان مثل ذلك جائزا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لضرب من التدبير ، فجائز أن يكون الذي قال ذلك شيطانا فظن القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله . وقال بعضهم : جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بذلك على سبيل السهو الذي لا يعرى منه