الجصاص

319

أحكام القرآن

يصلي صلاة العيد ثم يأكل من لحم أضحيته ، وقال صلى الله عليه وسلم : " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلث فكلوا وادخروا " . وروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن علقمة قال : بعث معي عبد الله بهدية فقلت له : ماذا تأمرني أن أصنع به ؟ قال : " إذا كان يوم عرفة فعرف به وإذا كان يوم النحر فانحره صواف فإذا وجب لجنبه فكل ثلثا وتصدق بثلث وابعث إلى أهل أخي ثلثا " . وروى نافع عن ابن عمر ، كان يفتي في النسك والأضحية : " ثلث لك ولأهلك وثلث في جيرانك وثلث للمساكين " . وقال عبد الملك عن عطاء مثله ، قال : " وكل شيء من البدن واجبا كان أو تطوعا فهو بهذه المنزلة إلا ما كان من جزاء صيد أو فدية من صيام أو صدقة أو نسك أو نذر مسمى للمساكين " . وقد روى طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن مسعود قال : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق بثلثها ونأكل ثلثها ونعطي الجازر ثلثها " ، والجازر غلط ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي : " لا تعط الجازر منها شيئا " ، وجائز أن يكون الجازر صحيحا وإنما أمرنا بإعطائه من غير أجرة الجزارة ، وإنما نهى أن يعطى الجازر منها من أجرته . ولما ثبت جواز الأكل منها ، دل ذلك على جواز إعطائه الأغنياء ، لأن كل ما يجوز له أكله يجوز أن يعطى منه الغني كسائر أمواله . وإنما قدروا الثلث للصدقة على وجه الاستحباب ، لأنه لما جاز له أن يأكل بعضه ويتصدق ببعضه ويهدي بعضه على غير وجه الصدقة كان الذي حصل للصدقة الثلث ، وقد قدمنا قبل ذلك أنه لما قال صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي : " فكلوا وادخروا " وقال الله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) حصل الثلث للصدقة . وقوله تعالى : ( فكلوا منها ) عطفا على البدن يقتضي عمومه جواز الأكل من بدن القران والتمتع لشمول اللفظ لها . قوله تعالى : ( وأطعموا القانع والمعتر ) ، قال أبو بكر : القانع قد يكون الراضي بما رزق ، والقانع السائل ، أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب قال : أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال : القناعة الرضا بما رزقه الله تعالى ، ويقال من القناعة : " رجل قانع وقنع " ومن القنوع : " رجل قانع " لا غير . قال أبو بكر : وقال الشماخ في القنوع : لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعف من القنوع واختلف السلف في المراد بالآية ، فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا : " القانع الذي لا يسأل والمعتر الذي يسأل " . وروي عن الحسن وسعيد بن جبير قالا : " القانع الذي يسأل . وروي عن الحسن قال : " المعتر يتعرض ولا يسأل " . وقال مجاهد : " القانع جارك الغني والمعتر الذي يعتريك من الناس " . قال أبو بكر : إن كان القانع هو الغني فقد اقتضت الآية أن يكون المستحب الصدقة بالثلث ، لأن فيها الأمر بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير الذي يسأل .