الجصاص
316
أحكام القرآن
محلها إلى البيت العتيق " ، وعن محمد بن كعب القرظي مثله . وقال عطاء : " إنه ينتفع بها إلى أن تنحر " ، وهو قول عروة بن الزبير . قال أبو بكر : فاتفق ابن عباس ومن تابعه على أن قوله : ( إلى أجل مسمى ) أريد به إلى أن تصير بدنا ، فذلك هو الأجل المسمى ، وكرهوا بعد ذلك أن تركب ، وقال عطاء ومن واقفه : " يركبها بعد أن تصير بدنة " ، وقال عروة بن الزبير : " يركبها غير فادح لها ويحلبها عن فضل ولدها " . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار يحتج بها من أباح ركوبها ، فروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له : " ويحك اركبها ! " فقال : إنها بدنة ! فقال : " ويحك اركبها ! " . وروى شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك . وهذا عندنا إنما أباحه لضرورة علمه من حاجة الرجل إليها ، وقد بين ذلك في أخبار أخر ، منها ما روى إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة وهو يمشي وقد بلغ منه فقال : " اركبها ! " قال : إنها بدنة ! قال : " اركبها ! " وسئل جابر عن ركوب الهدي فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا " . وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب الهدي قال : " اركب بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظهرا " . فبين في هذه الأخبار أن إباحة ركوبها معقودة بشريطة الضرورة إليها ، ويدل على أنه لا يملك منافعها أنه لا يجوز له أن يؤاجرها للركوب ، فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات . باب محل الهدي قال الله تعالى : ( وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) إلى قوله : ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ) ، ومعلوم أن مراده تعالى فيما جعل هديا أو بدنة أو فيما وجب أن تجعل هديا من واجب في ذمته ، فأخبر تعالى أن محل ما كان هذا وصفه إلى البيت العتيق ، والمراد بالبيت ههنا الحرم كله إذ معلوم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد ، فدل على أنه الحرم كله ، فعبر عنه بذكر البيت إذ كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت ، وهو كقوله تعالى في جزاء الصيد : ( هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : ، 95 ] ، ولا خلاف أن المراد الحرم كله . وقد روى أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرفة كلها موقف ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر " ، وعموم الآية يقتضي أن يكون محل سائر الهدايا الحرم ولا يجزي في غيره إذ لم تفرق بين شيء منها . وقد اختلف في هدي الإحصار ، فقال أصحابنا : " محله ذبحه في الحرم " وذلك