الجصاص

309

أحكام القرآن

بها ، فلم يكن يمتنع الإحلال فيما بينها وبين إحرام الحج إلا أن يسوق الهدي فيمنعه ذلك من الإحلال ، وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم في قرانه وكان المانع له من الإحلال سوق الهدي دون إحرام الحج ، وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي القران لا التطوع إذ لا تأثير لهدي التطوع في المنع من الإحلال بحال . ويدل على أنه كان قارنا قوله صلى الله عليه وسلم : " أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة وعمرة " ، ويمتنع أن يخالف ما أمره به ربه . ورواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج لا يعارض رواية من روى القران ، وذلك لأن راوي القران قد علم زيادة إحرام لم يعلمه الآخر فهو أولى ، وجائز أن يكون راوي الإفراد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك اللهم لبيك " ولم يسمعه يذكر العمرة ، أو سمعه ذكر الحج دون العمرة وظن أنه مفرد ، إذ جائز للقارن أن يقول لبيك بحجة دون العمرة وجائز أن يقول لبيك بعمرة وجائز أن يلبي بهما معا ، فلما كان ذلك سائغا وسمعه بعضهم يلبي بالحج وبعضهم سمعه يلبي بحج وعمرة كانت رواية من روى الزيادة أولى . وأيضا فإنه يحتمل أن يريد بقوله أفرد الحج أفعال الحج ، وأفاد أنه أفرد أفعال الحج وأفرد أفعال العمرة ولم يقتصر للإحرامين على فعل الحج دون العمرة ، وأبطل بذلك قول من يجيز لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا . وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين الأكل من هدي القران والمتعة . وروى عطاء عن ابن عباس قال : " من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر " . وروى عبيد الله بن عمر قال : " لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل مما سوى ذلك " . وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا : " لا يؤكل من الهدي كله إلا الجزاء " . فهؤلاء الصحابة والتابعون قد أجازوا الأكل من دم القران والتمتع ، ولا نعلم أحدا من السلف حظره . قوله تعالى : ( وأطعموا البائس الفقير ) . روى طلحة بن عمرو عن عطاء : ( وأطعموا البائس الفقير ) قال : " من سألك " . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : " البائس الذي يسأل بيده إذا سأل " . وإنما سمي من كانت هذه حاله بائسا لظهور أثر البؤس عليه بأن يمد يده للمسألة ، وهذا على جهة المبالغة في الوصف له بالفقر ، وهو في معنى المسكين لأن المسكين من هو في نهاية الحاجة والفقر ، وهو الذي قد ظهر عليه السكون للحاجة وسوء الحال ، وهو الذي لا يجد شيئا ، وقيل : هو الذي يسأل . وهذه الآية قد انتظمت سائر الهدايا والأضاحي وهي مقتضية لإباحة الأكل منها والندب إلى الصدقة ببعضها . وقدر أصحابنا فيه الصدقة بالثلث ، وذلك لقوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي : " فكلوا وادخروا " فجعلوا