الجصاص

263

أحكام القرآن

الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة . وقال تعالى : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ) [ الأحقاف : 15 ] فذكر في قصة موسى بلوغ الأشد والاستواء ، وذكر في هذه الآية بلوغ الأشد ، وفي الأخرى بلوغ الأشد وبلوغ أربعين سنة ، وجائز أن يكون المراد ببلوغ الأشد قبل أربعين سنة وقبل الاستواء ، وإذا كان كذلك فالأشد ليس له مقدار معلوم في العادة لا يزيد عليه ولا ينقص منه ، وقد يختلف أحوال الناس فيه فيبلغ بعضهم الأشد في مدة لا يبلغه غيره في مثلها ، لأنه إن كان بلوغ الأشد هو اجتماع الرأي واللب بعد الحلم فذلك مختلف في العادة وإن كان بلوغه اجتماع القوى وكمال الجسم فهو مختلف أيضا ، وكل ما كان حكمه مبنيا على العادات فغير ممكن القطع به على وقت لا يتجاوزه ولا يقصر عنه إلا بتوقيف أو إجماع ، فلما قال في آية : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) اقتضى ذلك دفع المال إليه عند بلوغ الأشد من غير شرط إيناس الرشد ، ولما قال في آية أخرى : ( حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) [ النساء : 6 ] شرط فيها بعد بلوغ النكاح إيناس الرشد ولم يشرط ذلك في بلوغ الأشد ولا بلوغ حد الكبر في قوله : ( ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ) [ النساء : 6 ] ، فقال أبو حنيفة : " لا يدفع إليه ماله بعد البلوغ حتى يؤنس منه رشدا ويكبر ويبلغ الأشد وهو خمس وعشرون سنة ثم يدفع إليه ماله بعد أن يكون عاقلا " ، فجائز أن تكون هذه مدة بلوغ الأشد عنده . قوله تعالى : ( وأوفوا بالعهد ) ، يعني والله أعلم إيجاب الوفاء بما عاهد الله على نفسه من النذور والدخول في القرب ، فألزمه الله تعالى إتمامها ، وهو كقوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) [ التوبة : 75 و 77 ] ، وقيل : أوفوا بالعهد في حفظ مال اليتيم مع قيام الحجة عليكم بوجوب حفظه ، وكل ما قامت به الحجة من أوامر الله وزواجره فهو عهد . وقوله تعالى : ( إن العهد كان مسؤولا ) معناه : مسؤولا عنه للجزاء ، فحذف اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد . وقيل : إن العهد يسأل فيقال لم نقضت ؟ كما تسأل الموءودة بأي ذنب قتلت ، وذلك يرجع إلى معنى الأول لأنه توقيف وتقرير لناقض العهد كما أن سؤال الموءودة توقيف وتقرير لقائلها بأنه قتلها بغير ذنب . قوله تعالى : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) ، فيه دلالة على أن من اشترى شيئا من المكيلات مكايلة أو من الموزونات موازنة واجب عليه أن لا يأخذ المشتري كيلا إلا بكيل ولا المشتري وزنا إلا بوزن ، وأنه غير جائز له أن يأخذه مجازفة ،