الجصاص
254
أحكام القرآن
الشرائع السمعية إنه لا يلزمه قضاء شيء منها إذا علم لأنه لم يكن لازما له إلا بعد قيام حجة السمع عليه ، وبذلك وردت السنة في قصة أهل قبا حين أتاهم آت أن القبلة قد حولت وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا لفقد قيام الحجة عليهم بنسخ القبلة ، وكذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة عليه إنه لا قضاء عليه فيما ترك ، قالوا : ولو أسلم في دار الاسلام ولم يعلم بفرض الصلاة عليه فعليه القضاء استحسانا ، والقياس أن يكون مثل الأول لعدم قيام حجة السمع عليه ، وحجة الاستحسان إنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها فكان ذلك بمنزلة قيام الحجة عليه ومخاطبة المسلمين إياه بلزوم فرضها ، فلا يسقطها عنه تضييعه إياها . والوجه الثاني : أنه لا يعذب عذاب الاستيصال إلا بعد قيام حجة السمع بالرسول ، وأن مخالفة موجبات أحكام العقول قبل ورود السمع من جهة الرسول لا توجب في حكم الله عذاب الاستيصال . قوله تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ) . قال سعيد : " أمروا بالطاعة فعصوا " . وعن عبد الله قال : " كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية قد أمر بنو فلان " . وعن الحسن وابن سيرين وأبي العالية وعكرمة ومجاهد : ( أمرنا ) " أكثرنا " . ومعناه على هذا إنا إذا كان في معلومنا إهلاك قرية أكثرنا مترفيها ، وليس المعنى وجود الإرادة منه لإهلاكهم قبل المعصية ، لأن الإهلاك عقوبة والله تعالى لا يجوز أن يعاقب من لم يعص ، وهو كقوله تعالى : ( جدارا يريد أن ينقض ) [ الكهف : 77 ] ليس المعنى وجود الإرادة منه وإنما هو أنه في المعلوم أنه سينقض . وخص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع لهم ، وكما أمر فرعون وقومه تبع لهم ، وكما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر : " أسلم وإلا فعليك إثم الأريسين " وكتب إلى كسرى : " فإن لم تسلم فعليك إثم الأكارين " . قوله تعالى : ( من القرون ) روي عن عبد الله بن أبي أوفى : أن القرن مائة وعشرون سنة . وقال محمد بن القاسم المازني : مائة سنة . وقيل : القرن أربعون سنة . قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) العاجلة الدنيا ، كقوله : ( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) [ القيامة : 20 و 21 ] أخبر الله تعالى أن من كان همه مقصورا على طلب الدنيا دون الآخرة عجل له منها ما يريد ، فعلق ما يؤتيه منها بمعنيين ، أحدهما قوله : ( عجلنا له فيها ما نشاء ) فلذلك استثنى في المعطى ، وذلك يتضمن مقداره وجنسه وإدامته أو قطعه ، ثم أدخل عليه استثناء آخر فقال : ( لمن نريد ) فلذلك استثنى في المعطين وأنه لا يعطي الجميع ممن يسعى للدنيا بل يعطي من شاء منهم ويحرم من شاء ، فأدخل على إرادة العاجلة في إعطاء المريد منها