الجصاص

251

أحكام القرآن

له : نحن لم نقل إن كل ما يستوي جده وهزله يستوي حال الإكراه والطوع فيه ، وإنما قلنا إنه لما سول النبي صلى الله عليه وسلم بين الجاد والهازل في الطلاق علمنا أنه لا اعتبار فيه بالقصد للإيقاع بعد وجود القصد منه إلى القول ، فاستدللنا بذلك على أنه لا اعتبار فيه للقصد للإيقاع بعد وجود لفظ الإيقاع من مكلف ، وأما الكفر فإنما يتعلق حكمه بالقصد لا بالقول ، ألا ترى أن من قصد إلى الجد بالكفر أو الهزل أنه يكفر بذلك قبل أن يلفظ به وأن القاصد إلى إيقاع الطلاق لا يقع طلاقه إلا باللفظ ؟ ويبين لك الفرق بينهما أن الناسي إذا تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ولا يصير كافرا بلفظ الكفر على وجه النسيان ، وكذلك من غلط بسبق لسانه بالكفر لم يكفر ولو سبق لسانه بالطلاق طلقت امرأته ، فهذا يبين الفرق بين الأمرين . وقد روي عن علي وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة قالوا : " طلاق المكره جائز " . وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وطاوس وجابر بن زيد قالوا : " طلاق المكره لا يجوز " . وروى سفيان عن حصين عن الشعبي قال : " إذا أكرهه السلطان على الطلاق فهو جائز وإن أكرهه غيره لم يجز " . وقال أصحابنا فيمن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة لم يسعه أن لا يأكل ولا يشرب وإن لم يفعل حتى قتل كان آثما ، لأن الله تعالى قد أباح ذلك في حال الضرورة عند الخوف على النفس فقال : ( إلا ما اضطررتم إليه ) [ الأنعام : 119 ] ومن لم يأكل الميتة عند الضرورة حتى مات جوعا كان آثما بمنزلة تارك أكل الخبز حتى يموت ، وليس ذلك بمنزلة الإكراه على الكفر في أن ترك إعطاء التقية فيه أفضل ، لأن أكل الميتة وشرب الخمر تحريمه من طريق السمع فمتى أباحه السمع فقد زال الحضر وعاد إلى حكم سائر المباحات ، وإظهار الكفر محظور من طريق العقل لا يجوز استباحته للضرورات ، وإنما يجوز له إظهار اللفظ على معنى المعاريض والتورية باللفظ إلى غير معنى الكفر من غير اعتقاد لمعنى ما أكره عليه فيصير اللفظ بمنزلة لفظ الناسي والذي يسبقه لسانه بالكفر ، فكان ترك إظهاره أولى وأفضل وإن كان موسعا عليه إظهاره عند الخوف . وقالوا فيمن أكره على قتل رجل أو على الزنا بامرأة : لا يسعه الإقدام عليه ، لأن ذلك من حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق ، فلا يجوز إحياء نفسه بقتل غيره بغير استحقاق ، وكذلك الزنا بالمرأة فيه انتهاك حرمتها بمعنى لا تبيحه الضرورة وإلحاقها بالشين والعار وليس كذلك عندهم الإكراه على القذف ، فيجوز له أن يفعل من قبل أن القذف الواقع على وجه الإكراه لا يؤثر في المقذوف ولا يلحقه به شيء . فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ذكرنا ، منها ما هو واجب فيه إعطاء التقية وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك مما طريق حظره السمع ، ومنها مالا يجوز فيه إعطاء التقية وهو الإكراه على قتل من لا يستحق القتل