الجصاص
247
أحكام القرآن
بالاستدلال فإنما خالف في العبارة وهو موافق في المعنى ولا ينفك من استعمال اجتهاد الرأي والنظر القياس من حيث لا يشعر . قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) . أما العدل فهو الانصاف ، وهو واجب في نظر العقول قبل ورود السمع ، وإنما ورد السمع بتأكيد وجوبه . والإحسان في هذا الموضع التفضل ، وهو ندب والأول فرض . وإيتاء ذي القربى فيه الأمر بصلة الرحم . وقوله تعالى : ( يأمر بالعدل ) قد انتظم العدل في الفعل والقول ، قال الله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ) [ الانعام : 152 ] ، فأمر بالعدل في القول ، وهذه الآية تنتظم الأمرين . وأما قوله تعالى : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) فإنه قد انتظم سائر القبائح والأفعال والأقوال والضمائر المنهي عنها . والفحشاء قد تكون بما يفعله الانسان في نفسه مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه ، وقد تكون مما يظهر من الفواحش ، وقد تكون لسوء العقيدة والنحل ، لأن العرب تسمي البخيل فاحشا . والمنكر ما يظهر للناس مما يجب إنكاره ، ويكون أيضا في الاعتقادات والضمائر وهو ما تستنكره العقول وتأباه . والبغي ما يتطاول به من الظلم لغيره . فكل واحد من هذه الأمور الثلاثة له في نفسه معان خاصة تنفصل بها من غيره . في الوفاء بالعهد قال الله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) . قال أبو بكر : العهد ينصرف على وجوه : فمنها الأمر ، قال الله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ) [ طه : 115 ] ، وقال : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ) [ يس : 60 ] والمراد الأمر . وقد يكون العهد يمينا ، ودلالة الآية على أن المراد في هذا الموضع اليمين ظاهرة ، لأنه قال : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) ولذلك قال أصحابنا : إن من قال : " علي عهد الله إن فعلت كذا " أنه حالف . وقد روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن لا يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم " . وروي عن عطاء والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد : " إذا قال علي عهد الله إن فعلت كذا فهو يمين " . قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) . شبه الله تعالى من عقد على نفسه شيئا لله تعالى فيه قربة ثم فسخه ولم يتمه بالمرأة التي تغزل شعرا أو ما