الجصاص

245

أحكام القرآن

فإن قيل : قد روى عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أعتق عبدا فماله له إلا أن يشترط السيد ماله فيكون له " ، وهذا يدل على أن العبد يملك ، لأنه لو لم يملكه قبل العتق لم يملكه بعده . قيل له : لا دلالة في هذا على أن العبد يملك ، لأنه جائز أن يكون جريان العادة بأن ما على العبد من الثياب ونحو ذلك لا يؤخذ منه عند العتق ، جعله كالمنطوق به وجعل ترك المولى لأخذه منه دلالة على أنه قد رضي منه بتمليكه إياه بعد العتق ، وأيضا فقد روي عن جماعة من أهل النقل تضعيفه ، وقد قيل إن عبيد الله بن أبي جعفر غلط في رفع هذا الحديث وفي متنه ، وإن أصله ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله ، فهذا هو أصل الحديث ، فأخطأ عبيد الله في رفعه وفي لفظه . وقد روي خلاف ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما رواه أبو مسلم الكجي قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال : حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عمران بن عمير عن أبيه - قال : وكان مملوكا لعبد الله بن مسعود - قال له عبد الله : يا عمير بين لي مالك فإني أريد أن أعتقك ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أعتق عبدا فماله للذي أعتق " . وكذلك رواه يونس بن إسحاق عن عمران بن عمير عن ابن مسعود مرفوعا . وقد بلغنا أن المسعودي رواه موقوفا على ابن مسعود ، وذلك لا يفسده عندنا . فإن احتج محتج بقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) [ النور : 32 ] ، وذلك عائد على جميع المذكورين من الأيامى والعبيد والإماء ، فأثبت للعبد الغنى والفقر ، فدل على أنه يملك إذ لو لم يملك لكان أبدا فقيرا . قيل له : لا يخلو قوله : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) [ النور : 32 ] من أن يكون المراد به الغنى بالوطء الحلال عن الحرام أو الغنى بالمال ، فلما وجدنا كثيرا من المتزوجين لا يستغنون بالمال ، ومعلوم أن مخبر أخبار الله لا محالة كائن على ما أخبر به ، علمنا أنه لم يرد به الغني بالمال وإنما أراد الغني بالوطء الحلال عن الحرام . وأيضا فإنه إن أراد الغني بالمال فإنه مقصور على الأيامى والأحرار المذكورين في الآية دون العبيد الذين لا يملكون بما ذكرنا من الدليل . وأيضا فإن العبد لا يستغني بالمال عند مخالفنا ، لأن المولى أولى بجميع ماله منه ، فأي غنى في مال يحصل له وغيره أولى به منه ، فالغنى في هذا الموضع إنما يحصل للمولى دون العبد . والدليل على أن العبد لا يكون غنيا بالمال قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " ، وعند مخالفنا أنه لا يؤخذ من مال العبد ، فلو كان غنيا لوجب في ماله الزكاة ، إذ هو مسلم غني من أهل التكليف .