الجصاص
230
أحكام القرآن
فإن قيل : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري ، وهذا يدل على أن الكيل على المشتري ، لأن مراده الصاع الذي اكتال به البائع من بائعه وصاع المشتري هو ما اكتاله المشتري الثاني من البائع . قيل له : قوله " صاع البائع " لا دلالة فيه على أن البائع هو الذي اكتال ، وجائز أن يريد به الصاع الذي كال البائع به بائعه وصاع المشتري الذي كاله له بائعه ، فلا دلالة فيه على الاكتيال على المشتري ، وإذا صح ذلك فيما وصفنا من الكيل فواجب أن يكون أجرة وزان الثمن على المشتري ، لأن عليه تعيين الثمن للبائع ، ولا يتعين إلا بوزنه فعليه أجرة الوزان . وأما أجرة الناقد فإن محمد بن سماعة روى عن محمد : " أنه قبل أن يستوفيه البائع فهو على المشتري لأن عليه تسليم الثمن إليه صحيحا ، وإن كان قد قبضه البائع فأجرة الناقد على البائع لأنه قد قبضه وملكه ، فعليه أن يبين أن شيئا منه معيب يجب رده " . قوله تعالى : ( وتصدق علينا ) ، قال سعيد بن جبير : إنما سألوا التفضل بالنقصان في السعر ولم يسألوا الصدقة " . وقال سفيان بن عيينة : " سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالا ، وإنما حرمت على النبي صلى الله عليه وسلم " . وكره مجاهد أن يقول في دعائه اللهم تصدق علي ، لأن الصدقة إنما هي ممن يبتغي الثواب . قوله تعالى : ( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) ، فيه إخبار أنهم كانوا جاهلين عند وقوع الفعل منهم وأنهم لم يكونوا جاهلين في هذا الوقت ، فمن الناس من يستدل بذلك على أنهم فعلوا ذلك قبل البلوغ لأنهم لو فعلوه بعد البلوغ مع أنهم لم تظهر منهم توبة لكانوا جاهلين في الحال ، وإنما أراد جهالة الصبا لا جهالة المعاصي . وقول يوسف : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) يدل على أنهم فعلوه بعد البلوغ وأن ذلك كان ذنبا منهم يجب عليهم الاستغفار منه ، وظاهر الكلام يدل على أنهم تابوا بقولهم : ( لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ) ويدل عليه قولهم ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) ، ولا يقول مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن يجري عليه القلم . وقوله : ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ) إنما جاز لهم مسألة الاستغفار مع حصول التوبة لأجل المظلمة المعلقة بعفو المظلوم وسؤال ربه أن لا يأخذه بما عامله ، ويجوز أن يكون إنما سأله أن يبلغه بدعائه منزلة من لم يكن في جناية . قوله تعالى : ( سوف أستغفر لكم ربي ) . روي عن ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن جريج وعمرو بن قيس : " أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء " . وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة " . وقيل : إنما سألوه أن يستغفر لهم دائما في دعائه .