الجصاص
228
أحكام القرآن
كقوله : ( وإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) [ الممتحنة : 10 ] ، ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن . وقد قيل في قوله : ( وما كنا للغيب حافظين ) معنيان ، أحدهما : ما روي عن الحسن ومجاهد وقتادة : " ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق " ، والآخر : ما قدمنا ، وهو أنا لا ندري باطن الأمر في السرقة . فإن قيل : لم جاز له استخراج الصاع من رحل أخيه على حال يوجب تهمته عند الناس مع براءة ساحته وعم أبيه وإخوته به ؟ قيل له : لأنه كان في ذلك ضروب من الصلاح ، وقد كان ذلك عن مواطأة من أخيه له على ذلك وتلطف في إعلام أبيه بسلامتهما ، ولم يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع إمكان أن يكون غيره جعله في رحله ، ولأن الله تعالى أمره بذلك تعريضا ليعقوب عليه السلام للبلوى بفقده أيضا ليصبر فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب الجزيل بصبره على فقدهما . مطلب : يجوز الاحتيال في التوصل إلى المباح وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله : ( فلما جهزهم بجهازهم ) إلى قوله : ( كذلك كدنا ليوسف ) دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق ، وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره ، وقال في آخر القصة : ( كذلك كدنا ليوسف ) ، ومن نحو ذلك قوله تعالى : ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) [ ص : 44 ] ، وكان حلف أن يضربها عددا ، فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها . ومن نحوه النهي عن التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض . ومن جهة السنة حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه استعمل رجلا على خيبر فأتاه بتمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكل تمر خيبر هكذا ؟ " فقال : لا والله ، إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، قال : " فلا تفعل الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا " ، كذا روى ذلك مالك بن أنس عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة ، فحظر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال في التوصل إلى أخذ هذا التمر . ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهند : " خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف " . فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ولدها . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره . وروى يونس ومعمر عن الزهري قال : أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان بن حرب أن ائتونا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم ، فسمع ذلك نعيم بن مسعود وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك