الجصاص
202
أحكام القرآن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هو مسجدي هذا " . وروي عن ابن عباس والحسن وعطية أنه مسجد قباء . قوله تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فيه دلالة على أن فضيلة أهل المسجد فضيلة للمسجد وللصلاة فيه . وقوله : ( يحبون أن يتطهروا ) روي عن الحسن قال : " يتطهرون من الذنوب " ، وقيل فيه : التطهر بالماء ، حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن العلاء قال : حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزلت هذه الآية في أهل قباء ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) " قال : " كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " . وقد حوى هذا الخبر معنيين ، أحدهما : أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ، والثاني : أن الاستنجاء بالماء أفضل منه بالأحجار . وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بالأحجار قولا وفعلا ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بالماء . قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) . أطلق الشرى فيه على طريق المجاز ، لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشتري مالا يملك والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ، ولكنه كقوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) [ البقرة : 245 ] فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضا لضمان الثواب فيهما به ، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبا فيه . قوله تعالى : ( السائحون ) قيل إنهم الصائمون ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سياحة أمتي الصوم " . وروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنه الصوم . وقوله تعالى : ( والحافظون لحدود الله ) هو أتم ما يكون من المبالغة في الوصف بطاعة الله والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره ، وذلك لأن لله تعالى حدودا في أوامره وزواجره وما ندب إليه ورغب فيه أو أباحه وما خير فيه وما هو الأولى في تحري موافقة أمر الله ، وكل هذه حدود الله ، فوصف تعالى هؤلاء القوم بهذا الوصف ، ومن كان كذلك فقد أدى جميع فرائضه وقام بسائر ما أراده منه . وقد بين في الآية التي قبلها المرادين بها ، وهم الصحابة الذين بايعوه تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان ، بقوله تعالى : ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) ، ثم عطف عليه : ( التائبون ) فقد بينت هذه الآية منزلة هؤلاء رضي الله عنهم من الدين والإسلام ومحلهم عند الله تعالى . ولا يجوز أن