الجصاص

19

أحكام القرآن

معتبرا في تلك الحقوق ، وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر المتفق على نقله به . وأيضا فقد روي : " ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة " ، فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر للتجارة ، فأخبر أن لا زكاة فيه لقصور قيمته عن النصاب في ذلك الوقت ، فنقل الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار . ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " لا يجتمعان " . وقال مالك والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعي : " إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج والخراج في الأرض " . والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد وضع على الأرض الخراج ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة الصحابة وموافقتهم إياه عليه ، فصار ذلك إجماعا من السلف وعليه مضى الخلف ، ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالناضح نصف العشر " وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما ، فلو وجب الخراج معه لكان ذلك بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع وقد يكون قفيزا ودرهما . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رد العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي لزمت صاحبها ، فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة الخراج ، ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخف فيه كما خالف النبي صلى الله عليه وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح لأجل المؤنة . ويدل عليه حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " منعت العراق قفيزها درهمها " ومعناه : ستمنع ، ولو كان العشر واجبا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعا منه والعشر غير ممنوع ، لأن من منع الخراج كان للعشر أمنع ، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج . وروى أن دهقانة نهر الملك أسلمت ، فكتب عمر أن يؤخذ منها الخراج إن اختارت أرضها . وروي أيضا أن رفيلا أسلم ، فقال له علي : " إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج " ، ولو كان العشر واجبا مع ذلك لأخبرا بوجوبه ولم يخالفهما في ذلك أحد من الصحابة . وأيضا لما كان العشر والخراج حقين لله تعالى لم يجز اجتماعهما عليه في وقت واحد ، والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع وجوب زكاة السائمة وزكاة التجارة . فإن قيل : إن الخراج بمنزلة الأجرة والعشر صدقة ، فكما جاز اجتماع أجر الأرض