الجصاص
168
أحكام القرآن
المسألة ، وهو أن يكون له أقل من مائتي درهم ، لا الغني الذي يجعله في حيز من يملك ما تجب في مثله الزكاة ، إذ قد يجوز أن يسمى غنيا لاستغنائه بما يملكه عن المسألة ، ولم يرد به الغني الذي يتعلق بملك مثله وجوب الغنى ، فكان قوله : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " على وجه الكراهة للمسألة لمن كان في مثل حاله . وعلى أن حديث أبي هريرة هذا في قوله : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " مختلف في رفعه ، فرواه أبو بكر بن عياش مرفوعا على ما قدمنا ، ورواه أبو يوسف عن حصين عن أبي حازم عن أبي هريرة من قوله غير مرفوع . وحديث عبد الله بن عمرو رواه شعبة والحسن بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا عليه من قوله ، وقال : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " . ورواه سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب " ، فاختلفوا في رفعه ، وظاهر قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) عام في سائرهم ، من قدر منهم على الكسب ومن لم يقدر ، وكذلك قوله تعالى : ( في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) [ الذاريات : 19 ] يقتضي وجوب الحق للسائل القوي المكتسب ، إذ لم تفرق الآية بينه وبين غيره . ويدل أيضا قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) [ البقرة : 273 ] ، ولم يفرق بين القوي المكتسب وبين من لا يكتسب من الضعفاء . فهذه الآيات كلها قاضية ببطلان قول القائل بأن الزكاة لا تعطى الفقير إذا كان قويا مكتسبا ، ولا يجوز تخصيصها بخبر أبي هريرة وعبد الله بن عمرو اللذين ذكرنا لاختلافهم في رفعه واضطراب متنه ، لأن بعضهم يقول : " قوي مكتسب " وبعضهم : " لذي مرة سوي " . وقد رويت أخبار هي أشد استفاضة وأصح طرقا من هذين الحديثين معارضة لهما ، منها حديث أنس وقبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث " فذكر إحداهن : " فقر مدقع " ، وقال : " أو رجل أصابته فاقة أو رجل أصابته جائحة " ولم يشرط في شيء منها عدم القوة والعجز عن الاكتساب ، ومنها حديث سليمان أنه حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة ، فقال لأصحابه : " كلوا ! " ولم يأكل ، ومعلوم ان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أقوياء مكتسبين ، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بها من كان منهم زمنا أو عاجزا عن الاكتساب . ومنها حديث عروة بن الزبير عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين من العرب حدثاه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه من الصدقة ، فصعد فيهما البصر وصوبه فرأهما جلدين فقال : " إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب "