الجصاص

161

أحكام القرآن

يتألفكما والإسلام يومئذ قليل ، وإن الله قد أغنى الاسلام ، اذهبا فاجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما ! " . قال أبو بكر رحمه الله : فترك أبي بكر الصديق رضي الله عنه النكير على عمر فيما فعله بعد إمضائه الحكم يدل على أنه عرف مذهب عمر فيه حين نبهه عليه ، وأن سهم المؤلفة قلوبهم كان مقصورا على الحال التي كان عليها أهل الاسلام من قلة العدد وكثرة عدد الكفار ، وأنه لم يرد الاجتهاد سائغا في ذلك لأنه لو سوغ الاجتهاد فيه لما أجاز فسخ الحكم الذي أمضاه ، فلما أجاز له ذلك دل على أنه عرف بتنبيه عمر إياه على ذلك امتناع جواز الاجتهاد في مثله . وروى إسرائيل عن جابر عن أبي جعفر قال : " ليس اليوم مؤلفة قلوبهم " . وروى إسرائيل أيضا عن جابر بن عامر في المؤلفة قلوبهم قال : " كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا " . وروى ابن أبي زائدة عن مبارك عن الحسن قال : " ليس مؤلفة قلوبهم ، كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وروى معقل بن عبيد الله قال : " سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم ، قال : من أسلم من يهودي أو نصراني ، قلت : وإن كان غنيا ؟ قال : وإن كان غنيا " . قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) ، فإن أهل العلم يختلفون فيه ، فقال إبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين : " لا يجزي أن تعتق من الزكاة رقبة " ، وهو قول أصحابنا والشافعي . وقال ابن عباس : " أعتق من زكاتك " . وكان سعيد بن جبير لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء . وقال في الرقاب : " إنها رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون فيكون ولاؤهم لجماعة المسلمين دون المعتقين " . قال مالك والأوزاعي : " لا يعطى المكاتب من الزكاة شيئا ولا عبدا موسرا كان مولاه أو معسرا ، ولا يعطون من الكفارات أيضا " ، قال مالك : " لا يعتق من الزكاة إلا رقبة مؤمنة " . قال أبو بكر : لا نعلم خلافا بين السلف في جواز إعطاء المكاتب من الزكاة ، فثبت أن إعطاءه مراد بالآية والدفع إليه صدقة صحيحة ، وقال الله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء ) إلى قوله : ( وفي الرقاب ) وعتق الرقبة لا يسمى صدقة ، وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة ، والله تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب فما ليس بصدقة فهو غير مجزئ . وأيضا فإن الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك شيئا بالعتق وإنما سقط عن رقبته هو ملك للمولى ، ولم يحصل ذلك الرق للعبد لأنه لو حصل عبد له لوجب أن يقوم فيه مقام المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف المولى ، فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى وأنه لم يملك بذلك شيئا ، فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع