الجصاص

151

أحكام القرآن

يحتمله اللفظ ، فالواجب أن يعمها ، إذ لم تقم دلالة التخصيص . وقوله : ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا ، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به ، كما أن من له قوة وجلد وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه ، ومن قوي على القتال وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال ، ومن كان عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) . وقوله تعالى : ( ذلكم خير لكم ) ، مع أنه لا خير في ترك الجهاد قيل فيه وجهان ، أحدهما : خير من تركه إلى المباح في الحال التي لا يتعين عليه فرض الجهاد ، والآخر : أن الخير فيه لا في تركه . وقوله تعالى : ( إن كنتم تعلمون ) ، قيل فيه : إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير ، وقيل : إن كنتم تعلمون صدق الله فيما وعد به من ثوابه وجنته . قوله تعالى : ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) الآية . لما أكذبهم الله في قوله : ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) دل على أنهم كانوا مستطيعين ولم يخرجوا . وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر في أن المكلفين غير مستطيعين لما كلفوا في حال التكليف قبل وقوع الفعل منهم ، لأن الله تعالى قد أكذبهم في نفيهم الاستطاعة عن أنفسهم قبل الخروج . وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر أنهم سيحلفون ، فجاؤوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم . قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) . العفو ينصرف عن وجوه ، أحدها : التسهيل والتوسعة ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله " . والعفو الترك ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " احفوا الشوارب واعفوا اللحى " ، والعفو الكثرة ، كقوله تعالى : ( حتى عفوا ) [ الأعراف : 95 ] يعني : كثروا ، وأعفيت فلانا من كذا وكذا إذا سهلت له تركه ، والعفو الصفح عن الذنب ، وهو إعفاؤه من تبعته وترك العقاب عليه ، وهو مثل الغفران في هذا الموضع ، وجائز أن يكون أصله التسهيل ، فإذا عفا عن ذنبه فلم يستقص عليه وسهل عليه الأمر ، وكذلك سائر الوجوه التي تنصرف عليها هذه الكلمة يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة . ومن الناس من يقول : إنه قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم ذنب صغير في إذنه لهم ، ولهذا قال الله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت