الجصاص
146
أحكام القرآن
محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة : " لا هجرة ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم فانفروا " ، فأمر بالنفير عند الاستنفار ، وهو موافق لظاهر قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) ، وهو محمول على ما ذكرنا من الاستنفار للحاجة إليهم لأن أهل الثغور متى اكتفوا بأنفسهم ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون ، ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا . وهذا هو موضع الخلاف بين الفقهاء في فرض الجهاد ، فحكي عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض ، وقالوا : ( كتب عليكم القتال ) [ البقرة : 216 ] ليس على الوجوب بل على الندب ، كقوله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) [ البقرة : 180 ] . وقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك ، وإن كان مختلفا في صحة الرواية عنه ، وهو ما حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا علي بن معبد عن أبي المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال : كنت عند ابن عمر ، فجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الفرائض وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه ، فقال : " الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان والجهاد في سبيل الله " ، قال : فكأن ابن عمر غضب من ذلك ، ثم قال : " الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان " قال : وترك الجهاد . وروي عن عطاء وعمرو بن دينار نحوه ، حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب الغزو على الناس ؟ فقال هو وعمرو بن دينار ما علمناه . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار : " إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة ، إلا أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه " . وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري كان يقول : " ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي فيه بعضهم على بعض " ، فإن كان هذا قول سفيان فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية ، وهو موافق لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه . ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم