الجصاص
124
أحكام القرآن
ورأيك أعلى ، قال : لا ، ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله ، إن الله جل اسمه أمر نبيه بالمشورة تمام الماية ( 1 ) التي جعلها الله له ، فكان يشاور في أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله ، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك ، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك . قال : فخرج له مال كثير ففرقه . قال أبو بكر : فهذا الذي ذكره محمد في إقرار الخلفاء بني تغلب على ما هم عليه من صبغهم أولادهم في النصرانية حجة في تركهم على ما هم عليه وأنهم بمنزلة سائر النصارى ، فلا تخلوا مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية من أحد معنيين : إما أن يكون مراده وأن لا يكرهوهم على الكفر إذا أرادوا الاسلام ، أو أن ينشؤوهم الذي على الكفر من صغرهم ، فإن أراد الأول فإنه لم يثبت أنهم منعوا أحدا من أولادهم التابعين من الاسلام وأكرهوهم على الكفر فيصيروا به ناقضين للعهد وخالعين للذمة ، وإن كان المراد الوجه الثاني فإن عليا وعثمان لم يعترضوا عليهم ولم يقتلوهم . وأما قول مالك في العبد النصراني إذا أعتقه المسلم أنه لا جزية عليه ، فترك لظاهر الآية بغير دلالة ، إذ لا فرق بين من أعتقه مسلم وبين سائر الكفار الذين لم يعتقوا . وأما قوله : " لو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ينفعه شيئا " فليس كذلك ، لأنه في حال الرق إنما لم تلزمه الجزية لأن ماله لمولاه ، والمولى المسلم لا يجوز أخذ الجزية منه ، والجزية إنما تؤخذ من مال الكفار عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر ، والعبد لا مال له فتؤخذ منه ، فإذا عتق وملك المال وجبت الجزية ، وأخذنا الجزية منه لم يسلبه منافع العتق في جواز التصرف على نفسه وزوال ملك المولى وأمره عنه وتمليكه سائر أمواله ، وإنما الجزية جزء يسير من ماله قد حقن بها دمه فمنفعة العتق حاصلة له . باب من تؤخذ منه الجزية قال الله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) إلى قوله : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، فكان معقولا من فحوى الآية ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال ، إذ القتال لا يكون إلا بين اثنين ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه ، وإذا كان كذلك ثبت أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال ومن يمكنه أداؤه من المحترفين ، ولذلك قال أصحابنا : إن من لم يكن من أهل
--> ( 1 ) قوله : " تمام الماية " هكذا في بعض النسخ وفي بعضها : " تمام الماية خلق " ولم أفهم معناه والظاهر من إشكال العبارة أنه تحريف ولعل صحيحة : " تماما لما به من الأخلاق " فليحرر . ( لمصححه ) .